أخبار

السفير/ رشاد فراج الطيب : من المناسك الي المقاصد ..قراءة في رمزيات فريضة الحج عند المفكر د. علي شريعتي

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

 

 

 

 

 

 

تمثل فريضة الحج أحد أعظم الأركان التعبدية في الإسلام ، بوصفها الركن الخامس من أركان الدين ، والشعيرة الجامعة التي تتجسد فيها بصورة كثيفة معاني التوحيد والمساواة والتجرد والانتماء إلى الأمة الإسلامية الواحدة.

 

فالحج ليس مجرد انتقال مكاني إلى البقاع المقدسة وأداء لمناسك محددة ، وإنما هو تجربة روحية وإنسانية وحضارية عميقة ، تتجاوز حدود العبادة الفردية إلى فضاء الاجتماع الإسلامي الواسع .

 

وقد ظل الحج عبر التاريخ الإسلامي يمثل موسمًا للتعارف والتواصل وتبادل المعرفة والخبرات بين شعوب العالم الإسلامي ، بما جعله أحد أهم مظاهر الوحدة الحضارية للأمة الإسلامية عبر القرون .

 

وفي إطار هذا الفهم المقاصدي للحج ، برزت قراءة المفكر الإيراني د. علي شريعتي بوصفها واحدة من أكثر القراءات الفكرية المعاصرة عمقًا وتأثيرًا .

 

ويُعد علي شريعتي من أبرز المفكرين المسلمين في القرن العشرين ، حيث جمع بين التكوين الأكاديمي في علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ ، وبين الاهتمام بالفكر الإسلامي وقضايا النهضة والتحرر والهوية.

 

وقد عُرف بمحاولته تقديم قراءة حركية واجتماعية للإسلام تربط الدين بقضايا الإنسان والمجتمع والتاريخ ، بعيدًا عن الجمود الطقوسي أو العزلة الروحية المنفصلة عن الواقع .

 

ومن أبرز مؤلفاته : كتاب الحج ، والعودة الي الذات ، والنباهة والاستحمار ، إضافة إلى كتاباته الشهيرة حول رسالة المثقف والإصلاح الديني .

 

وقد قدّم شريعتي في كتابه “ الحج ” تفسيرًا يتجاوز القراءة الفقهية التقليدية التي تركز على الأحكام والمناسك ، إلى قراءة رمزية ومقاصدية ترى في الحج مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الإنسان ووعي الأمة .

 

فالحج عنده ليس مجرد شعيرة موسمية ، بل “هجرة وجودية” ينتقل فيها الإنسان من الذات المحدودة إلى أفق التوحيد والوعي والمسؤولية الحضارية .

 

ومن هذا المنطلق ، يفسر شريعتي الإحرام بوصفه لحظة تجرد كاملة من الفوارق الطبقية والاجتماعية والقومية ،

حيث يخلع الإنسان مظاهر الامتياز الدنيوي ليدخل في حالة مساواة إنسانية شاملة .

 

أما الطواف حول الكعبة ، فيراه تجسيدًا رمزيًا لمركزية التوحيد في حركة الحياة الإنسانية ، بحيث يصبح الله سبحانه وتعالى محور الوجود بدل أن تدور البشرية حول المال أو القوة أو العصبية أو الهيمنة .

 

وفي قراءته لشعيرة السعي بين الصفا والمروة ، يستحضر شريعتي قصة هاجر باعتبارها نموذجًا للكفاح الإنساني والإرادة والأمل ، ويرى في السعي تعبيرًا عن الحركة الدائمة للإنسان في مواجهة التحديات والبحث عن الخلاص .

 

كما يمنح الوقوف بعرفة دلالة معرفية وروحية عميقة ، بوصفه لحظة وعي وتأمل ومراجعة للذات والتاريخ والمصير .

 

أما رمي الجمرات ، فلا يراه مجرد فعل تعبدي رمزي ، بل يمثل عنده إعلانًا متجددًا لمقاومة الشر والاستبداد والطغيان ، سواء كان ذلك الطغيان داخليًا في النفس البشرية أو خارجيًا في الواقع السياسي والاجتماعي .

 

غير أن البعد الأبرز في قراءة شريعتي يتمثل في نظرته إلى الحج باعتباره “ المؤتمر الإسلامي العالمي الأكبر ” .

 

فقد رأى أن اجتماع ملايين المسلمين من مختلف الأعراق واللغات والثقافات في زمان ومكان واحد يحمل دلالات حضارية وسياسية تتجاوز مجرد التزامن التعبدي .

 

فالحج عنده فرصة تاريخية لتجديد وعي الأمة بنفسها ، وتعزيز التضامن الإسلامي ، وتبادل الخبرات والرؤى ، وبناء إدراك جماعي للتحديات المشتركة التي تواجه العالم الإسلامي .

 

ومن هنا انتقد شريعتي اختزال الحج في الطقوس الفردية المعزولة عن قضايا الأمة والإنسان ، معتبرًا أن فقدان الحج لوظيفته الحضارية والسياسية أفقد المسلمين أحد أهم أدوات التواصل والوحدة التاريخية .

 

ولذلك سعى إلى إعادة تقديم الحج باعتباره مدرسة للتوحيد والتحرر والعدالة والمساواة ، وموسمًا لإعادة إنتاج الوعي الإسلامي الجمعي .

 

ورغم أن بعض النقاد رأوا أن شريعتي قد بالغ أحيانًا في تحميل الشعائر الدينية أبعادًا سياسية وثورية تتجاوز المقاصد التعبدية المباشرة ، فإن قراءته للحج تبقى من أكثر القراءات الفكرية المعاصرة قدرة على الربط بين العبادة والوعي الحضاري ، وبين الدين وحركة المجتمع والتاريخ.

 

وقد أسهمت هذه القراءة في إعادة إحياء النقاش حول الأبعاد الحضارية والاجتماعية لفريضة الحج ، بوصفها عبادة جامعة تتكامل فيها الروحانية مع الوعي ، والتوحيد مع الاجتماع ، والإيمان مع مسؤولية الأمة تجاه حاضرها ومستقبلها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى