أخبار

لوحة القيامة السودانية.. المأساة في جدارية العبث والمقصلة

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

كتب – الصادق محمد أحمد

لو كان غابرييل غارسيا ماركيز حياً اليوم لربما أعاد النظر في حدود الواقعية السحرية نفسها، ولأدرك أن الخيال مهما اتسع يعجز أحياناً عن مجاراة ما يحدث في السودان، فهذه البلاد تعيش منذ أبريل ٢٠٢٣ حالة سريالية فريدة تتجاور فيها البطولة المطلقة مع العبث الصارخ، وتسير فيها مواكب الشهداء جنباً إلى جنب مع حفلات الغناء والرقص في مشهد يبدو وكأنه كُتب بحبر المفارقات والتناقضات.

المشهد الأول: في خندق الفداء والتضحية والبسالة:

في الساعات الأولى من اندلاع حرب البقاء عندما انفتحت أبواب الجحيم وكادت الميليشيا المتمردة أن تبتلع رمزية الدولة ومؤسساتها السيادية، كان هناك رجال يعيدون تعريف معاني التضحية والفداء ، وقف أفراد الحرس الرئاسي وحرس القيادة العامة في مواجهة طوفان التمرد بإمكانات محدودة وإرادة لا تعرف التراجع ،ولولا تلك الساعات الحاسمة من الثبات والشجاعة لما بقيت للدولة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة زمام المبادرة.

هناك على أسوار القيادة العامة دُفعت أثمان البقاء من دماء طاهرة، سقط الشهداء الأوائل وهم يدافعون عن فكرة الدولة ذاتها، كانت تلك اللحظات الفاصلة هي التي منحت السودان فرصة جديدة للصمود، وكتبت فصلاً سيبقى محفوراً في ذاكرة الوطن مهما حاول البعض تجاوزه أو التقليل من شأنه.

المشهد الثاني: الشهداء يُزفون والقتلة يتبجحون :

بينما كانت البلاد تنزف والشهداء يتساقطون في الجزيرة والجنينة وسنار وكردفان ودارفور، كانت قرى كاملة تُباد، وأسر تُشرد، وأطفال ونساء وشيوخ يدفعون ثمن حرب لم يختاروها ،ورغم حجم المأساة جاء يوم أطل فيه بعض قادة التمرد (المنشقين) عبر المنصات الإعلامية الدولية دون أي شعور بالمسؤولية أو الاعتراف بالمأساة التي لحقت بالمواطنين، حاول بعضهم اختزال الكارثة في صراع عسكري مع الجيش، متجاهلين ما تعرض له المدنيون على ايديهم من قتل ونهب وتشريد وانتهاكات وثقتها الوقائع وشهدت عليها المدن والقرى المنكوبة.

المشهد الثالث: غناء ورقص على حافة الهاوية:

في مدن الجوار تتجلى السريالية في أوضح صورها ،صالات الفنادق والملاهي تضج بالغناء، والحضور بالآلاف من أبناء الوطن الجريح، بينما تتوالى حفلات الرقص والسهر وكأن الحرب تقع في مكان آخر من العالم لا في وطنهم ،الملابس الأنيقة، العطور الفواحة، و(النقطة) بالدولار، ولا شيء يكاد يوحي بأن وطناً بأكمله ما زال يرزح تحت أهوال الحرب ،وفي الجهة الأخرى من الصورة وعلى نفس المسرح الهزلي، خلف جدران الشقق الضيقة تعيش عائلات أخرى تحت ضغط الفقر والخوف ،أسر تواجه خطر الترحيل القسري ، وأخرى تكافح من أجل تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها، بينما عاد عشرات الآلاف منهم بعدما ضاقت بهم سبل الحياة في المنافي ،إنها صورة لانقسام قاس فرضته الحرب على المجتمع السوداني بين من يحاول التكيف مع واقع اللجوء ومواصلة الحياة وبين من يعيش يومه تحت وطأة الخوف والعجز والمجهول.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي: هل يحق لوطن ينزف بهذا القدر أن يغيب عن وجدان أبناءه ؟؟

المشهد الرابع: الاغتيال السياسي والبطانة العاجزة:

الإنتصارات العسكرية التي تحققت في مواجهة التمرد تمثل بلا شك إنجازاً وطنياً كبيراً، لكنها تبدو اليوم وكأنها تواجه اختباراً مختلفاً على جبهة السياسة والإدارة ،فالوطن ما زال يواجه تحديات هائلة في الاقتصاد والعلاقات الخارجية وإدارة مرحلة ما بعد الحرب ،كما أن سياسات المحاصصة والترقيع والتوازنات الضيقة ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على أداء الدولة ومؤسساتها .

لقد أنتج هذا الواقع اقتصاداً مثقلاً بالأزمات، ومؤسسات تعاني بطء الاستجابة، وعلاقات خارجية لا تعكس حجم التضحيات التي قدمها السودانيون خلال هذه الحرب ،وفي المقابل، لا تزال بعض الحركات المسلحة تتعامل مع السلطة باعتبارها مساحة لتقاسم النفوذ والمكاسب أكثر من كونها مسؤولية وطنية تاريخية، الأمر الذي يجعل مستقبل ما بعد الحرب عرضة لتحديات خطيرة إذا لم تتم معالجته بحكمة وحسم. هكذا يبدو المشهد السياسي أحياناً وكأنه يسير بخطوات متثاقلة خلف جيش يحقق التقدم في الميدان، بينما تتأخر مؤسسات الدولة عن تحويل هذه التضحيات إلى مشروع وطني متكامل.

المشهد الخامس: أقلام في وجه العواصف :

وسط هذا الركام برز تيار واسع من الصحفيين والكتاب الوطنيين الذين تجاوز كثير منهم خلافاتهم السابقة مع المؤسسة العسكرية وانحازوا إلى ما رأوه معركة وجود للدولة السودانية ،أقلام وثقت الانتهاكات، وكشفت الجرائم، وقدمت-وما زالت- النصح والتحليل، وسعت إلى سد الفراغ الذي خلفه الارتباك السياسي والإداري، كتبوا دفاعاً عن الوطن، لا عن الأشخاص، وحاولوا أن يكونوا صوتاً للضحايا في زمن اختلطت فيه الحقائق بالدعاية، والمواقف بالمصالح ،لكن السؤال الذي يظل مطروحاً بإلحاح هو: هل تجد هذه الأصوات آذاناً صاغية؟ وهل تتحول النصائح والتحذيرات التي قدموها إلى سياسات وقرارات، أم تبقى مجرد صرخات في مهب الريح؟

 

الخاتمة: بين إنتصار الميدان و إمتحان الدولة :

 

إن هذه المشاهد المتناقضة من خندق الحرس الرئاسي النابض بالبطولة إلى صالات الغناء في مدن اللجوء، ومن دماء الشهداء في الجزيرة والفاشر وكردفان والجنينة وسنار إلى ارتباك السياسة وضعف الإدارة، تلخص مأساة السودان في لحظته الراهنة ،لقد أثبت السودانيون جنوداً ومدنيين أنهم قادرون على الصمود في أصعب معارك الوجود ،لكن الانتصار العسكري مهما بلغ حجمه لا يكفي وحده لبناء الدولة، فكما انتصر الجنود في الميدان تحتاج البلاد إلى إنتصار مماثل في السياسة والإدارة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.

لقد تحمل السودانيون الكثير وتجاوزوا جراحاً عميقة من أجل بقاء الدولة ووحدة الوطن، غير أن هذا الصبر ليس تفويضاً مفتوحاً لإهدار هيبة الدولة أو تعطيل الإصلاح ،فالتاريخ لا يخلد الانتصارات العسكرية وحدها، بل يخلد أيضاً قدرة الدول على تحويل التضحيات إلى مشروع وطني يليق بمن دفعوا ثمن البقاء من دمائهم .

ويبقى السؤال الكبير معلقاً فوق المشهد السوداني كله: هل تنجح الدولة في ترجمة انتصار الميدان إلى نهضة وطنية شاملة؟ أم تضيع التضحيات على أرصفة العجز والتردد وسوء التقدير وضعف الإدارة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى