
متابعات | تسامح نيوز
بعد أكثر من عام كامل على تولي الدكتور كامل إدريس منصب رئيس الوزراء في 31 مايو 2025، لا يزال الواقع السوداني يردد صدى المثل الشعبي القاسي: “الحال ياهو الحال”. حرب مليشيا الدعم السريع الارهابية على البلاد، والأزمات الإنسانية تتعمق، والخدمات الأساسية تتآكل والجنيه يحتضر، فلم يظهر الرجل حتى الآن إنجازاً نوعياً يُحدث فارقاً ملموساً في حياة المواطنين. لكن هل يجوز الحكم عليه بهذه السرعة وبضربة لازب، دون النظر في السياق المعقد الذي يتحرك فيه؟ هل هو ظالم، أم مظلوم بقيود السلطة ومتاهاتها؟
العمل في الجهاز التنفيذي لا يقبل النقد العادل إلا إذا توفرت سلطة حقيقية وصلاحيات كاملة. فهل يمتلك كامل إدريس، الرجل المدني ذو الخلفية الدبلوماسية اللامعة، حرية الحركة الكاملة، أم أن هناك ممانعات سلطوية وخطوطاً حمراء تحول دون ذلك؟ لماذا نرى أحياناً رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يتصدر المشهد التنفيذي، خاصة في الملفات التي تجلب صيتاً شعبياً؟ هل يعجز إدريس عن المبادرة، أم تعيقه متطلبات الأمن والحماية والأذونات الروتينية التي تُفرغ أي تحرك من جدواه وتُبطئ وتيرته؟
والأسئلة لا تتوقف عند حدود الحركة اليومية. هل استطاع إدريس تشكيل حكومته بإرادته الحرة الكاملة، أم فُرضت عليه أسماء بعينها تحمل ولاءات ومصالح معينة؟ كيف يتعامل رجل مدني مثله مع جنرالات في زي مدني، وأصحاب حواكير تحرسها قوة عسكرية غاشمة في كثير من الأحيان؟ داخلياً، يغرق السودان في تقاطعات السلطة والمصالح الضيقة ومراكز النفوذ المتشابكة، مما يجعل مهمة أي رئيس وزراء مدني أشبه بالسير على حبل مشدود فوق هاوية.
أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي، فالسؤال أكثر إلحاحاً: هل حقق كامل إدريس أي اختراق يُشار إليه بالبنان؟ لماذا لم يتمكن حتى الآن من إعادة عضوية السودان المسلوبة في الاتحاد الأفريقي منذ تعليقها في أكتوبر 2021؟ رغم الجهود الدبلوماسية والخطابات في الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط مجلس الأمن، لا يزال التعليق قائماً حتى الآن ومع تعيين رئيسا جديدا لمفوضية الاتحاد يوصف بأنه متفهم للأوضاع في السودان؟!. إذا عجز كامل عن تحقيق اختراق في الساحة الأفريقية – المجال الأقرب جغرافياً وثقافياً – فهل يُعقل أن يحقق اختراقاً أعمق في دوائر دبلوماسية أخرى؟
في النهاية، يظل الرجل أمام محك صعب: هل سيكون مجرد واجهة مدنية لسلطة عسكرية، أم سينجح في انتزاع مساحة حقيقية للقرار والإصلاح؟ النقد المبكر ضروري، لكن العدل يقتضي الاعتراف بأن الرجل يواجه عقبات هيكلية عميقة. الشعب السوداني ينتظر أفعالاً لا كلمات، ونتائج لا وعوداً. فإما أن يثبت نفسه قائداً يصنع الفرق رغم القيود، أو يبقى شاهداً على استمرار «الحال ياهو الحال». الزمن كفيل بالحكم، والتاريخ لا يرحم.





