أمين سنادة يكتب: بين البيان والموقف… قراءة في بيان اتحاد الدراميات السودانيات
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
أصدر اتحاد الدراميات السودانيات بيانًا رسميًا تناول فيه قضية إطلاق صفة “ممثل” أو “ممثلة” عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في بعض الأعمال الفنية دون استيفاء الشروط المهنية، مؤكدًا أن هذه الصفة لا تُكتسب بالشهرة أو الانتشار الإعلامي، وإنما بالعمل الفني الحقيقي والتدريب والاعتراف من المؤسسات المهنية المختصة. كما شدد البيان على ضرورة احترام المهنة وصون تاريخها، ودعا المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والمنصات الرقمية إلى عدم تكريس منح الألقاب الفنية دون سند مهني.
في جوهره، يحمل البيان حرصًا مشروعًا على مكانة الدراما وحماية العاملين فيها، وهي أهداف يصعب الاختلاف حولها. غير أن القراءة النقدية للبيان تطرح عددًا من الأسئلة المتعلقة بطبيعته ومضمونه أكثر من اختلافها مع مقاصده.
فأول ما يلفت الانتباه أن البيان لم يحدد الواقعة التي استدعت صدوره، ولم يشر إلى شخص أو حالة بعينها، رغم أن صياغته توحي بأنه جاء استجابة لحدث معين. لذلك بدا وكأنه يعيد التأكيد على مبادئ معروفة أكثر من كونه يتخذ موقفًا واضحًا من واقعة محددة.
وهنا يظهر الفرق بين البيان المهني والبيان التعريفي. فالبيان المهني يفترض أن يحدد المشكلة التي يعالجها، وأن يوضح موقف الجهة التي أصدرته منها، بينما جاء هذا البيان أقرب إلى إعلان مبادئ عامة حول مفهوم المهنة واحترامها.
كما أن القضية نفسها أكثر تعقيدًا مما توحي به صياغة البيان. فالقول إن صفة “الممثل” لا تُكتسب إلا بالعمل الحقيقي والاعتراف من الجهات المختصة يفتح سؤالًا جوهريًا: من هي الجهة المختصة؟
هل هي المؤسسات الأكاديمية؟ أم الاتحادات المهنية؟ أم النقابات؟ أم شركات الإنتاج؟ أم تراكم الخبرة والأعمال؟ أم أن الجمهور نفسه أصبح، في عصر المنصات الرقمية، جزءًا من عملية منح الشرعية الفنية؟
هذه أسئلة لم يعد من السهل الإجابة عنها بإجابة واحدة، لأن بنية الإنتاج الدرامي تغيرت كثيرًا خلال العقود الأخيرة. فقد دخلت المنصات الرقمية وصناعة المحتوى المستقل إلى المجال، وأصبح كثير من الممثلين يأتون من خارج المؤسسات التقليدية، بل إن بعضهم يحقق حضورًا وتأثيرًا قبل أن ينتمي إلى أي كيان مهني.
ومن هنا فإن مفهوم “المهنة” نفسه يحتاج إلى مراجعة مستمرة، لا إلى تعريف ثابت ونهائي. فالدراما ليست مهنة بالمعنى الوظيفي فحسب، وإنما نشاط ثقافي وإبداعي يتداخل فيه الفن والتعليم والتجربة الاجتماعية والتلقي الجماهيري.
ولذلك فإن حماية الدراما لا تتحقق فقط بتنظيم استخدام الألقاب، وإنما أيضًا بتطوير بيئة الإنتاج، وتوسيع فرص التدريب، ورفع مستوى التعليم الفني، وحماية الحقوق الأدبية والمادية للعاملين، وخلق مؤسسات قادرة على استيعاب التحولات الجديدة التي يشهدها المجال.
وتبرز هنا أيضًا مسألة تستحق التأمل، وهي مسمى “اتحاد الدراميات السودانيات” نفسه.
فإذا كانت القضايا التي يناقشها البيان ــ مثل المهنية، والاعتراف، والتدريب، والحقوق، والإنتاج، واحترام الممارسة الفنية ــ هي قضايا مشتركة بين جميع العاملين في الدراما، رجالًا ونساءً، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل من الأفضل تنظيم العمل المهني في إطار اتحادات متخصصة بحسب النوع الاجتماعي، أم أن المرحلة تحتاج إلى كيانات أكثر شمولًا تمثل جميع العاملين في الحقل الدرامي مع مراعاة خصوصية كل فئة داخلها؟
لا يتعلق الأمر هنا بالانتقاص من أهمية تمثيل المرأة أو الدفاع عن حقوقها، بل بمدى ملاءمة الشكل التنظيمي لطبيعة الإشكاليات المطروحة، خاصة في ظل واقع درامي يعاني أصلًا من ضعف المؤسسات وقلة الإنتاج وتشتت الجهود.
ولعل ما كان سيمنح البيان قوة أكبر هو الانتقال من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الرؤية العملية، عبر طرح معايير واضحة لاكتساب الصفة المهنية، أو الدعوة إلى إنشاء سجل مهني للعاملين في الدراما، أو تقديم مبادرات للتدريب والتأهيل، أو حتى توضيح الواقعة التي استدعت إصدار البيان حتى يصبح النقاش أكثر تحديدًا وشفافية.
إن حماية الدراما السودانية هدف يتفق عليه الجميع، لكن الطريق إلى ذلك لا يمر فقط عبر الدفاع عن الألقاب المهنية، وإنما عبر إعادة التفكير في مفهوم المهنة ذاته، وفي طبيعة المؤسسات التي تمثلها، وفي كيفية التوفيق بين التقاليد الفنية الراسخة والتحولات التي فرضها العصر الرقمي.
فالدراما ليست مجرد لقب يُمنح أو يُمنع، وإنما منظومة ثقافية كاملة، وكلما اتسعت الرؤية إليها، أصبحت مؤسساتها أكثر قدرة على حماية الفن، وخدمة المبدعين، وبناء مستقبل يليق بتاريخ الدراما السودانية





