المقالات

د. ياسر محجوب الحسين: حكومة الظل بالمقلوب

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في الأدبيات السياسية الكلاسيكية، “حكومة الظل” مصطلح معروف: هو فريق وزاري بديل يشكله حزب المعارضة الرئيس في الأنظمة البرلمانية، ليكون جاهزا لتولي الحكم إن سقطت الحكومة القائمة، ولمراقبة أداء الوزراء كل في مجاله. فوزير ظل للخارجية يراقب وزير الخارجية الفعلي، ووزير ظل للمالية يتابع نظيره.. إلخ. الفكرة أن “الظل” يقف في الجهة المقابلة للسلطة، متربصا، لا متماهيا معها.

لكن في السودان، يبدو أن أحدا أعاد تعريف المصطلح رأسا على عقب. فبدلا من أن تكون حكومة الظل معارضة، أصبحت لدينا حكومة ظل.. حاكمة! أو بالأحرى: حكومة معلنة تقف في الظل، بينما يمارس رئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان دور “رئيس الوزراء الفعلي” الذي لا يترك شأنا تنفيذيا إلا وبدا فيه منغمسا.

آخر فصول هذا “الاجتهاد المؤسسي” جاءنا من أزمة الكهرباء الجالية منذ مطلع أغسطس الحالي. فبينما كان المواطن يتوقع أن يسمع بيانا من وزارة الكهرباء، أو تحركا من رئاسة الوزراء، تكشف أن من حل عقدة سد مروي هو البرهان شخصيا، الذي كلف السفير والملحق العسكري في بكين بالتنسيق مع شركة الكهرباء القابضة لاستجلاب قطع الغيار! نعم، قرأتم صحيح: الملحق العسكري يفاوض على “كيبلات” ولا “ترانسفورمرات”، بينما شركة الكهرباء تتفرج، ووزارة الكهرباء تحصي الساعات في برنامج الأحمال.

وقبلها، في أزمة المعابر البرية مع مصر، كانت القصة نفسها: وصل رئيس مجلس السيادة في مايو الماضي لمعالجة أزمة عالقين كبيرة قبل عيد الأضحى؛ وقد انفرجت بعد توجيهاته وتحريك بصات من والي الشمالية ومبادرات أخرى. يحدث كل ذاك وكأن الحكومة التنفيذية برمتها في إجازة مفتوحة.

والنتيجة أن حكومة د. كامل إدريس، بتشكيلتها ووزرائها ومهامها الموزعة على الورق، تبدو أقرب إلى ديكور مؤسسي: حكومة “ظل” بمعنى أنها موجودة شكلا، غائبة فعلا؛ يُعلن عنها في الصحف كتكبدها مشاق متابعة إنارة شارع عبيد ختم وهي مسألة تخص والي الخرطوم، بينما تُدار الملفات الحقيقية من مكتب آخر. أما “الحزب الحاكم” الفعلي، إذا جاز التعبير، فهو مجلس السيادة، الذي يبدو أن رئيسه لا يفوت مناسبة لتحقيق “إنجاز” جديد يُحسب له مباشرة، من سد مروي إلى المعبر البري، وكأن كل أزمة تُحل هي فرصة لتوثيق أن “الرجل الفعلي” في المشهد واحد لا غير.

المفارقة أن هذا النمط يطرح سؤالا مشروعا: إذا كانت كل الملفات الحساسة – كهرباء، معابر، علاقات خارجية – تُدار من موقع السيادة، فما الداعي أصلا لحكومة بكامل هيئتها الوزارية؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه توزيع أدوار: حكومة تتحمل المساءلة الشعبية حين يظلم البلد، ورئاسة تحصد “المجد” حين يعود التيار؟

وإنصافا لحكومة كامل إدريس، ولكي لا نحملها وزرا قد لا يكون كله من صنع يدها، يحق لنا أن نطرح سؤالا أكثر عدلا: هل العلة في كامل إدريس نفسه، أم في البنية التي يعمل داخلها؟ ألم يكن بامكان كامل استدعاء وزير الخارجية وتوجيهه بالتواصل مع السفير في الصين؟ هل وزير الطاقة لم يضع تفاصيل الاشكال وكيفية الحل أمام طاولة رئيس الوزراء يهتدي إلى الطريقة التي حل بها البرهان الاشكال؟ ربما لا يملك كامل إدريس، من الأساس، القدرة على مجاراة إيقاع البرهان وتحركاته، لضعف في الخبرة أو في الحضور السياسي. لكن يُحتمل أيضا – وهذا الاحتمال أقسى – أنه يدرك تماما ما ينبغي فعله، ويعرف أن هذا الملف أو ذاك من صميم اختصاصه الدستوري، لكنه ببساطة لا يملك “العصا التنفيذية”: لا صلاحية حقيقية على المؤسسات السيادية، ولا يدا طليقة في التمويل أو حتى التنسيق الخارجي دون غطاء من القصر. وإن صح هذا، فإن البرهان لا “يتدخل” بقدر ما “يستأثر”، عن قصد، بمساحات القرار، تاركا لرئيس الوزراء دور الواجهة لا الفاعل، ربما لحاجة في نفس يعقوب: تكريس صورة الرجل الذي يحل الأزمات وينقذ البلاد، أو خشية من أن يكبر نجم رئيس وزراء لم يخرج من عباءته.

وبين الاحتمالين، تبقى الحقيقة واحدة: حكومة عاجزة عن الفعل، سواء بعجز ذاتي أو بعجز مفروض عليها، والنتيجة النهائية لا تتغير كثيرا على المواطن الذي ينتظر الكهرباء والمعبر مفتوحا، لا تفسيرا فلسفيا لمن يملك القرار الحقيقي.

يبدو أن حكومة الظل في السودان لم تعد وصفا للمعارضة، بل باتت توصيفا دقيقا لحكومة قائمة بذاتها، تحكم بلا سلطة، وتُسأل بلا صلاحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى