
متابعات | تسامح نيوز
” كل مؤسسة عظيمة كانت يومًا ما فكرة في عقل إنسان واحد . ”
رالف والدو إمرسون
ليست نهضة الأمم دائمًا نتاج إمكانات ضخمة أو ظروف مثالية ، بل كثيرًا ما تبدأ بفكرة في عقل إنسان واحد آمن بها ، ودافع عنها ، وحولها من حلم شخصي إلى مشروع إنساني .
فالتاريخ لا تصنعه الكثرة الصامتة ، وإنما تصنعه العقول التي تمتلك الشجاعة على التفكير المختلف ، والقدرة على تحويل الأفكار إلى واقع .
لقد أدرك المفكر الجزائري مالك بن نبي أن الحضارات لا تبدأ من وفرة الأشياء ، وإنما من ولادة الأفكار ؛ فالفكرة هي القوة الأولى التي تحرك التاريخ ، ومنها تنشأ المشروعات والمؤسسات وتتشكل إرادة المجتمعات .
وهذا ما يؤكده المؤرخ أرنولد توينبي في حديثه عن “الأقلية المبدعة” التي تقود المجتمعات إلى تجاوز أزماتها عندما تقدم استجابات جديدة لتحديات العصر .
وتشهد الإنسانية على ذلك بأمثلة لا تحصى ؛ فقد غيّر كونفوشيوس منظومة القيم والتعليم في الصين ، وأسس سقراط منهج التفكير النقدي ، وأحدث نيوتن وأينشتاين تحولات كبرى في فهم قوانين الكون ، بينما غيّر غاندي ومانديلا مسار أمم بأكملها بقوة الفكرة والإرادة ، وحول لي كوان يو سنغافورة إلى نموذج عالمي للتنمية ، وأعاد دينغ شياو بينغ رسم مستقبل الصين بإصلاحات تاريخية . وفي مجال التكنولوجيا غيّر ستيف جوبز وبيل غيتس وطليعة المبتكرين علاقة الإنسان بالمعرفة والتقنية والحاسوب .
وفي الحضارة العربية والإسلامية ، كان الفرد المبدع محركًا للنهضة ؛ فالخوارزمي وضع أسس علم الجبر والخوارزميات ، وابن الهيثم أسس المنهج التجريبي ، وابن خلدون قدم نظرية رائدة في العمران والاجتماع ، وابن رشد أعاد تجديد الفكر الفلسفي والعقلي ، وأسهم ابن سينا والرازي وابن حيان في تطوير علوم الطب والكيمياء ، وأسس الإمام الشافعي علم أصول الفقه ، بينما قدم مالك بن نبي ومحمد إقبال والكواكبي ومحمد عبده والبنا رؤى إصلاحية أثرت في الفكر الحديث .
إن الإسلام في جوهره دين يحفز العقل والمعرفة ؛ فقد دعا إلى التدبر والتفكر ، وأرسى مبدأ الشورى ، وحث على سؤال أهل العلم والخبرة : ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ، وقرر قيمة التخصص والخبرة : ﴿ولا ينبؤك مثل خبير﴾ .
كما جعل تقديم الأفقه والأعلم مبدأً واضحًا حتى في إمامة الصلاة ، ونهى عن كتمان العلم ، لأن المعرفة مسؤولية وأمانة ووسيلة لإعمار الأرض .
غير أن الفرد المبدع لا يزدهر وحده قطعا ؛ فهو يحتاج إلى بيئة حاضنة ، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأمم هو بناء الدولة ” المُمكِّنة للإبداع ” ؛ الدولة التي تجعل المعرفة أساسًا للتنمية ، وتنشئ مراكز البحث والدراسات والتفكير لتكون عقلها الاستراتيجي ومنصات لدعم القرار ، وتطور المناهج التعليمية من الحفظ والتلقين إلى التفكير النقدي والابتكار وحل المشكلات ، وتفتح المجال أمام المفكرين والعلماء والمخترعين وأهل الخبرة للمشاركة في دعم صناعة القرار والسياسات .
إن كتاب Non-Stop Creativity and Innovation لمؤلفيه فيونا ماكلاود وريتشارد تومسون يقدم فكرة أساسية مفادها أن الإبداع ليس موهبة محدودة ، بل ثقافة يمكن تنميتها ، وأن الأمم التي تجعل الابتكار أسلوب حياة هي التي تصنع المستقبل .
أما المجتمعات التي تنتظر الحلول ولا تنتج الأفكار ، فإنها تبقى أسيرة أزماتها ، ورهينة اعتمادها علي الغير .
وفي واقعنا العربي والأفريقي ، وخصوصًا في السودان بعد الحرب ، فإن إعادة البناء لا ينبغي أن تقتصر على الحجر والمباني والمرافق ، بل يجب أن تبدأ بإعادة بناء الإنسان والعقل والثقة . نحتاج إلى الانتقال من ثقافة انتظار البطل إلى ثقافة صناعة آلاف الرواد ، ومن الشكوى من الواقع إلى المبادرة لتغييره .
فنهضة الأمم لا يصنعها الفرد وحده ، ولا الدولة وحدها ، وإنما يصنعها التفاعل بين إنسان يمتلك الرؤية ، ومجتمع يؤمن بالفكرة ، ودولة تُمكِّن الإبداع وتحميه وتستثمر فيه .
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل إنسان ليس : ماذا قدمت لي بلادي ؟ بل : ما الفكرة التي أستطيع أن أقدمها لبلادي؟ فقد تكون فكرة صغيرة بداية مؤسسة عظيمة ، أو مشروعًا يغير حياة الملايين ، أو شرارة نهضة أمة بأكملها .
فشخص واحد قد يغيّر حال أمة ، عندما يؤمن بفكرة عظيمة ، ويجد مجتمعًا يحتضنها ويشجعها ، ودولة تعرف قيمة العقول وتؤمن بأن أعظم ما وهبه الله للإنسان هو القدرة علي صناعة الحلول وتطويع الموارد وتغيير وجه الحياة الي الأفضل والأجمل .





