أخبار

د. ياسر محجوب الحسين : البرهان يكشف حقيقة مخاض الجبل .. “عدا المؤتمر الوطني”.. حوار انتقائي تحت غطاء الشمولية

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

في الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس القوات المسلحة، وقف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان يخاطب الشعب والجيش معلنا موافقة القيادة على «مبادرة وطنية سودانية خالصة» قدمتها مجموعة من أبناء وبنات الوطن. مبادرة تستهدف إطلاق حوار سوداني – سوداني «شامل» يصل إلى توافق وطني ويستكمل مؤسسات الحكم، وعلى رأسها المجلس التشريعي. وأكد البرهان أن الدولة ستوفر كل الضمانات القانونية والأمنية واللوجستية، لكنها لن تنظم الحوار ولن تحرر أجندته، بل ستكتفي بتسهيله وحماية المشاركين. وفصّل الضمانات في ثلاثة محاور: إسقاط التهم المعلقة (وقف الإجراءات الجنائية لا العفو القضائي)، والحصانة الإجرائية المؤقتة أثناء الحوار، والحصانة الموضوعية الدائمة التي تحمي الآراء والمواقف المطروحة داخل الجلسات من أي ملاحقة مستقبلية.

هذا الإعلان، في ظاهره، يبدو خطوة نحو الانفتاح. لكن في باطنه يثير أسئلة أعمق من الضمانات القانونية نفسها. فالبرهان، الذي يمسك بمفاصل المشهد السياسي والعسكري، لا يتحدث هنا عن حوار يولد من توافق عريض، بل عن مبادرة تقدمت بها «مجموعة» اختارها أو قبلها، لتكون أشبه بحاضنة سياسية له. وهذا يعني أن توافقا سياسيا مسبقا قد حدث بينه وبين هذه المجموعة، وأن الباقين مدعوون إلى اللحاق بهذا القطار لا إلى المشاركة في رسم وجهته. ومن يتحكم في المشهد بهذا القدر من السيطرة لا يُطلق حوارا شاملا بقدر ما يرسم إطارا انتقائيا يمنح شرعية لما يريده ويبعد ما لا يريده.

والأوضح من ذلك أن البرهان لم يتخلَّ عن عبارته الثابتة: «عدا المؤتمر الوطني». فقد أعلن الاستثناء صراحة، مختصرا التيار الإسلامي كله في حزب واحد، دون أن يفرق بين التنظيم الحزبي السابق والتيار الأوسع الذي يضم تنظيمات وأفرادا عارضوا المؤتمر الوطني وشاركوا في إسقاطه عام 2019. هذا الاختزال ليس بريئا. إنه محاولة لإيجاد مبرر لاستبعاد التيار الإسلامي برمته، استجابة لضغوط خارجية معلومة، ومغازلة لقوى يسارية مرتبطة بأجندات خارجية والأسوأ تمثل حاضنة سياسية لمليشيا الدعم السريع الارهابية، ترى في الإسلاميين العقبة الدائمة أمام تسويات تُدار من الخارج.

 

تصريحات البرهان: من الإقصاء إلى الحاضنة المختارة

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظل البرهان يكرر أن أي حوار لن يشمل «متمردي الدعم السريع» وحزب المؤتمر الوطني. وفي تصريحات سابقة شدد على أن المؤتمر الوطني «لن يجد فرصة لحكم البلاد على دماء السودانيين»، ونفى أي ارتباط للجيش بالإسلاميين أو الشيوعيين، مؤكدا أنه يعترف فقط بالشعب السوداني. أما الإعلان الجديد في ذكرى تأسيس الجيش فيضيف طبقة أخرى: موافقة على مبادرة «مجموعة» محددة، مع ضمانات قانونية مفصلة، مقابل استمرار الاستثناء الصريح للتيار الإسلامي المختزل في المؤتمر الوطني.

يرى كثيرون أن هذا المسار يمثل محاولة مزدوجة: طمأنة أطراف دولية وإقليمية معادية تاريخيا للتيار الإسلامي (وفي مقدمتها الولايات المتحدة ودوائر غربية وإسرائيل)، وفي الوقت نفسه بناء حاضنة سياسية داخلية مقبولة لدى هذه الأطراف. فالجهات التي يُفترض استرضاؤها هي ذاتها التي طالما نظرت إلى البرهان بوصفه نتاجا لمؤسسة الدولة في عهد المؤتمر الوطني. لذا يصبح رهان «شراء الصمت الخارجي» عبر الإقصاء رهانا هشاً، وقد يُضعف السيادة بدلا من تعزيزها. والحوار الذي يُعلن شاملا ثم يستثني عمدا تيارا عريضا، ويبدأ بمبادرة مجموعة مختارة، ليس حوارا وطنيا بقدر ما هو ترتيب محاصصة بين من يملك السلاح اليوم ومن يُراد له أن يكون الغطاء السياسي غدا.

 

رد فعل متباين داخل أوساط الإسلاميين

جاء الرد الأبرز سابقا من القيادي حامد ممتاز، الذي انتقد المساواة بين مليشيا الدعم السريع والتيار الإسلامي الذي دفع بكوادره للقتال إلى جانب الجيش، معتبرا ذلك تجاهلا متعمدا للتضحيات. وحذر من أن استرضاء الخارج عبر تصريحات استئصالية يزيد التعقيد. أما الإعلان الجديد فيعيد فتح الجرح نفسه: حوار «شامل» يُستثنى منه التيار الإسلامي صراحة، ويُقدَّم عبر مجموعة مختارة كحاضنة.

في المقابل، يستمر رأي داخل أوساط الإسلاميين يستخف بأثر الاستبعاد، معتبرا أن حجم التيار وامتداده الاجتماعي لا يُختزل بقرار إقصاء، وأن الغياب عن مائدة معلن إقصاؤها مسبقا فرصة لمراجعة داخلية واستعداد لجولات تعتمد على الأغلبية لا على المحاصصات. غير أن أصواتا أخرى تصر على أن الاعتراض مبدئي: فالحوار الذي يستثني أكبر تيار منظم، ويبدأ بتوافق مسبق مع مجموعة محددة، يبني سردية تجريم سياسي تخدم من يريدون إضعاف الجبهة المساندة للجيش والدولة.

 

درس العراق واجتثاث البعث

يستحضر المنتقدون تجربة حل حزب البعث في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، حين أعلن بول بريمر حل الحزب وطرد قياداته عبر «هيئة اجتثاث البعث». كانت النتيجة فراغا مؤسسيا وتفككا أمنيا وإعادة إنتاج استقطاب أشد مرارة. واللافت أن حزب البعث السوداني بفروعه كان من أشد المطالبين بإقصاء المؤتمر الوطني، متناسيا فشل التجربة الأم. فإن كان المقصود حظر التنظيم نفسه في مرحلة انتقالية فقد يكون له مبرر، أما اختزال التيار الإسلامي كله في «المؤتمر الوطني» واستبعاده من حوار يُعلن شاملا فيحوله إلى «حوار طرشان» ويعيد إنتاج الانقسام.

 

الإقصاء ومعضلة السلم المجتمعي

يكمن جوهر الإشكال في أن دعوات الاستبعاد تتجاوز التنظيم الحزبي لتشمل التيار الإسلامي الأوسع، وهو تيار غير متجانس يضم من عارضوا المؤتمر الوطني وشاركوا في إسقاط البشير عام 2019، بل إن اللجنة الأمنية نفسها التي أقصت البشير واستلمت السلطة صبيحة 11-12 أبريل 2019 كانت جزءا من ذلك التنوع الداخلي. هذا يجعل عبارة «عدا الوطني» فضفاضة وقابلة للتوظيف، ويحول الحوار المعلن شاملا إلى حوار مجتزأ يتعارض مع مقومات السلم المجتمعي بعد الحرب.

 

المحصلة.. مخاض الجبل

الإعلان عن مبادرة «مجموعة» مع ضمانات قانونية مفصلة، مقابل استمرار الاستثناء الصريح للتيار الإسلامي، يكشف أن ما يُقدم على أنه حوار شامل هو في حقيقته اختيار لحاضنة سياسية تتوافق مع حسابات داخلية وخارجية. البرهان يتحكم في المشهد، ويختار من يلحق بقطاره، ويستبعد من يراه عبئا على تلك الحسابات. التجارب المقارنة والتاريخ السوداني يشهدان أن الإقصاء الشامل أبهظ ثمنا مما يُظن. الخروج من الأزمة لا يكون إلا بحوار لا يستثني أحدا إلا من حمل السلاح على الدولة، ويفرق بوضوح بين التنظيم الحزبي والتيار الأوسع. الحكمة تقتضي فتح الأبواب لا رسم القطارات مسبقا. فالإقصاء طريق قصير إلى مزيد من الاضطراب، طويل إلى أي استقرار حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى