الخبير المصرفي وليد دليل: طويق من التشكيك إلى التوقيع.. هل يكفي التوثيق الرسمي لإغلاق ملف الشك؟
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
لم يمضِ وقت طويل على المقال الذي طرحنا فيه تساؤلات جوهرية حول الهوية المؤسسية لمجموعة “طويق” السعودية، حتى جاء التوقيع الرسمي على مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة والنفط السودانية والمجموعة ذاتها، لإعادة تأهيل مصفاة الخرطوم وإنشاء مصفاة جديدة ببورتسودان. والمفارقة أن بيان وزارة الطاقة الرسمي حمل الأسماء ذاتها التي أثارت التساؤل سابقاً: الشيخ سلطان العنزي بصفته المدير التنفيذي، والشيخ طويق بن مقعد العتيبي رئيساً لمجلس الإدارة، دون أن يقدّم البيان أي توثيق إضافي يوضح العلاقة الفعلية بين هذا الكيان وبين “مجموعة طويق القابضة” الراسخة في الرياض منذ عام 1975، والتي لا يظهر لمؤسسها الراحل أو لإدارتها الحالية أي صلة موثقة بالاسمين الواردين في البيان. بل إن البيان أضاف تفصيلاً جديداً يستحق التوقف عنده، وهو إشارته إلى “شركة عمار يونايتد” بوصفها الذراع العاملة في النفط والغاز والمصافي، وهو الاسم نفسه الذي ورد في المقال السابق دون أن يقترن بسجل تنفيذي موثّق في هذا القطاع تحديداً.
الأخطر من غياب التوثيق أن التوقيع جاء هذه المرة على مشروع بمواصفات مختلفة تماماً عن مجرد إبداء رغبة استثمارية؛ فإعادة تأهيل مصفاة قائمة وبناء مصفاة جديدة بسعات تكريرية كبيرة يعني التزامات مالية وهندسية وتشغيلية ضخمة، تمتد لسنوات، وتمس أمناً اقتصادياً حساساً في بلد يعاني أصلاً من تدمير سبعين في المائة من منشآته النفطية جراء الحرب. فإذا كانت الفجوة بين الاسم المعلن والسجل الموثّق مثار قلق في مرحلة اللقاء البروتوكولي الأول، فإنها تتحول إلى مخاطرة مؤسسية حقيقية في مرحلة التوقيع على مذكرة تفاهم تحدد مساراً استثمارياً بمليارات الدولارات المحتملة، خصوصاً أن بيان الوزارة اكتفى باستعراض الإمكانات الفنية والمالية للمجموعة كما عرضها ممثلوها، دون إشارة إلى أي تحقق مستقل من الجهة السودانية نفسها.
وهنا تحديداً تكتسب المداخلة التي قدّمها الأخ عبدالله بشير في نقاشنا السابق حول هذا الملف دلالتها العملية الكاملة، إذ لم تكن مجرد تعليق نظري بل تشخيصاً استباقياً لما نشهده الآن. وقد بنى عبدالله تحليله على أربعة مرتكزات متكاملة تستحق التفصيل في ضوء ما جرى: أولها ضرورة التحقق المؤسسي الإلزامي والمسبق من هوية أي كيان، وطنياً كان أم أجنبياً، قبل أي ترحيب رسمي أو توقيع مذكرة، لأن الاسم المتداول إعلامياً لا يكفي بذاته سنداً لصفقة بحجم مصفاتين نفطيتين. وثانيها ثبات القواعد القانونية، بحيث لا يُمنح أي ترخيص أو يُسحب إلا عبر مسار قانوني واضح ومعلن، وهو ما يطرح تساؤلاً موازياً عن الأساس القانوني الذي استندت إليه مذكرة التفاهم الحالية في غياب أي بيان تحقق منشور. وثالثها المساواة الكاملة، أي تطبيق معيار تحقق واحد على جميع المستثمرين دون تمييز بين وافد يُستقبل بحفاوة فورية ومستثمر محلي يخضع لتدقيق مطوّل، وهي المفارقة التي سبق أن تجسدت في حالة شركة “عسجد” السودانية حين أُلغي ترخيصها المستوفي للشروط خلال أيام. أما رابع هذه المرتكزات وأكثرها جوهرية في السياق الراهن، فهو استقلالية الجهة الرقابية والترخيصية عن أي طرف تنفيذي له مصلحة مباشرة في قرار القبول أو الرفض، ذلك أن جهة تفاوض وتوقّع مذكرة التفاهم لا يمكن أن تكون في الوقت ذاته الجهة المحايدة التي تتحقق من خلفية الطرف الموقّع معها، وهو بالضبط الثغرة البنيوية التي يعيد التوقيع الأخير طرحها بإلحاح.
وتوقيع مذكرة تفاهم بهذا الحجم، بالاسم نفسه الذي لم تُحسم بعد التساؤلات حوله، هو تحديداً السيناريو الذي حذّر منه عبدالله حين تحدث عن “انقلاب تسلسل الإجراءات”، أي منح الثقة الرسمية الكاملة قبل، لا بعد، التحقق من الهوية المؤسسية والسجل التنفيذي. الأمر لا يعني بالضرورة أن “طويق” التي وقّعت المذكرة كياناً وهمياً أو عديم الجدية؛ فقد يكون هذا الاسم يمثل بالفعل تكتلاً استثمارياً ناشئاً منفصلاً عن مجموعة طويق القابضة الأصلية، ولكل كيان حقه في دخول السوق السوداني إن استوفى الشروط. لكن المسؤولية هنا تقع على الجانب السوداني بوصفه صاحب السيادة على قراره الاقتصادي: فالمطلوب ليس رفض المستثمر لمجرد التشابه في الاسم، بل نشر ما تم التحقق منه فعلياً بشأن هويته المؤسسية وسجله المالي والتنفيذي، بما يوازي حجم الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم. فحين يغيب هذا التوثيق العلني، يتحول التوقيع من خطوة استثمارية واثقة إلى مقامرة سيادية غير محسوبة النتائج، خصوصاً في قطاع بحجم الطاقة الذي يمثل شرياناً اقتصادياً لا يحتمل تجربة أخرى فاشلة على غرار عقود سابقة أُعلن عنها بأرقام ضخمة ولم يتحقق منها على الأرض سوى جزء يسير.
ولذلك، فإن السؤال الذي طرحناه في مقالنا السابق لم يُغلق بالتوقيع، بل تجدد بصيغة أكثر إلحاحاً: من يتحمل مسؤولية التحقق قبل التوقيع، لا بعده؟ وهل تملك الجهات السودانية المعنية آلية مستقلة، بالمواصفات التي حددها عبدالله بشير، لضمان أن الحماس لاستقطاب الاستثمار الخليجي لا يتحول إلى بوابة مفتوحة أمام كيانات لم تُختبر جديتها بعد؟ فالفارق بين دولة تدير استثماراتها الاستراتيجية بحوكمة رصينة وأخرى تديرها بالثقة الفورية، لا يظهر في لحظة التوقيع الاحتفالية، بل بعد سنوات، حين يتضح إما أن مصفاة بورتسودان أصبحت واقعاً، أو أنها انضمت إلى قائمة طويلة من مذكرات التفاهم التي لم تتجاوز حبر التوقيع.




