عمرو منير دهب يكتب : عظامك مجدَّداً

nasdahab@gmail.com
رأينا في مقام مضى أن “حِمية قاسية يتــَّـبعها بدين (أو متوهِّم بدانة) مُسنّ ستــُـسْلمُه في النهاية عقب أن يبتهج بنجاحها إلى حسرة الوقوف على وهن عظام – بات يتحسّس تفاصيلها بسهولة – رافقته عمراً مديداً وهي تختبئ فيما تراكم من اللحم والشحم في أمان”.
المصريون يقولون في الإشارة إلى الشيخوخة: “العضمة كِبْرِتْ”، وهو قول بليغ لأن وهن العظام فيما أقدِّر من أظهر علامات الكِبَر المتعلقة بأداء أعضاء الجسد شكلاً ومضموناً.
أمّا شكلاً فلأنك تستطيع تقدير عمر أحدهم وهو قادم من بعيد دون أن تتمعّن في ملامح وجهه، أو حتى وأنت تنظر إليه من ظهره فحسب، وليس ذاك سوى لأن قوامه وهيئته يَشِيان بما يمكن أن يكتمه أيٌّ من أعضاء جسده سواءٌ بسبب النظرة غير الفاحصة من بعيد أو بتأثير التجُّمل والتجميل، وما القوامُ والهيئة سوى الهيكل العظمي الذي ينهض عليه سائر أعضاء الجسد.
وأما مضموناً فلأنه لا أبعثَ على الشعور بالشباب من حرية وطلاقة الحركة، ولأن تقييد الحركة هو المدخل المفضي إلى توالي وتراكم علامات الكبر من كل صنف ولون.
معروف أن العصا (العُكّاز) هي أوّل ما يُتَّخذ من علامات الشيخوخة إنْ في التمثيل تأكيداً للكِبَر أو في الواقع استعانةً بها على النهوض والخطو، هذا تجاوزاً عن دلالات الوقار المتضمّنة في العصا مما قد يندرج في تفسير ما ورد ضمن الآية “ولي فيها مآرب أخرى”، فقد أسهب المفسرون والعلماء في تعداد فوائد العكّاز، وأدرج الحسن البصري ست خصال للعصا منها أنها زينة الصلحاء. ولكن تبقى مهمّة العصا وفائدتها الأولى هي التوكُّؤ على ما مرّ من الزمان حتى إذا بدا هذا الأخير وكأنه يجثم بدوره على كاهل العجوز.
وإذا كان الشحم المتكدِّس واللحم المتهدِّل والبشرة “المكرمشة” من علامات الكبر الظاهرة كذلك، فإن ما يختبئ خلف كل ذلك من العلامات المتوارية في العظام هو الأكبر والأظهر على الأرجح بعكس ما يغري المنطق – في تراتب تلك الأعضاء – بالقبول من القراءات، فحِمية معقولة مع قدر بسيط من العناية يعيدان شحم ولحم وبشرة العجوز لا نقول إلى حالها مع الشباب ولكن إلى أفضل مما هي عليه مع الشيخوخة، أما العظام المتداعية فليس في طوع حمية أو عناية متيسرة أن تقيل عثرتها أو تعيدها إلى حال أفضل مما هي عليه بما يرضي غرور عجوز يتكالب تصابياً على الشباب.
وربما كان من الأخطاء الشائعة أن نَكني عن القوة بالعضلات (التي هي اللحم) ابتداءً، فمن لا يتحمّل قبضة قوية على كفه من زميل مداعب (أو ندِّ مشاكس) إنما هو يشكو في الواقع من عظامه الواهية لا عضلاته الخائرة، وبالمثل فإن من ينهار في مصارعة للسواعد أمام زميله إنما يشكو ابتداءً من وهن عظام ساعده مقابل قوة عظام ساعد خصمه قبل أن يشكو من وهن عضلات ساعدَيه. ولكن ربما كان ما يحملنا على ذلك الظن – بإرجاع القوة إلى العضلات قبل العظام – أنّ ما نمارسه من تمارين استعداداً لأيّ نزال يُعنى بتدريب العضلات، فلم يُضبط بعدُ رياضيٌّ همام متلبِّساً بتمرين عظامه على حساب عضلاته.
ولعل أفضل تمرين للمحافظة على سلامة العظام – بعد شرب الحليب والإقبال بهلع على مخازن الكالسيوم في سائر أشكال الطعام – هو أن تُترك وشأنها دون إثقال عليها بحمل ثقيل أو حركة مجهدة، على عكس ما هو الحال مع العضلات. هنا تكمن بلاغة العظام – على حساب العضلات – في التعبير عن الشيخوخة التي هي انقضاء الزمان بما لا يجدي معه صبرٌ أو ضجر بفارق ذي بال.
المفارقة المضاعَفة مع العظام تتجلّى عند الفناء، فأظهرُ دلائل الكِبَر في بدن الإنسان وأعصاها على العلاج والمداراة هو ما يبقى بعد الرحيل أطول وأفضل من سائر أعضاء الجسد بما لا يدع مجالاً للمقارنة، فمقابل ما يتلاشى من الوجود خلال أيام أو أشهر من الأعضاء تظل العظام لسنوات وربما قرون، ولكن بمثابة الشاهد على ضعف الإنسان لا على عظمته وجبروته.





