خبير في مجال الكهرباء يسرد تاريخ تجربة إصلاح قطاع الكهرباء ويضع حلولا للمشكلات!!
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
قدم المهندس مكاوي محمد عوض، مدير شركة الكهرباء السابق، شهادة تاريخية موثقة عبر مجموعة من التسجيلات الصوتية، سرد فيها تفاصيل تجربة إصلاح قطاع الكهرباء التي قادها بنفسه. هذه الشهادة تمثل توثيقاً نادراً ومهماً لمرحلة من أنجح مراحل قطاع الكهرباء في السودان، وتكشف عن منهجية إصلاحية متكاملة يمكن البناء عليها اليوم.
ويرى أن حل مشكلة الكهرباء هو مفتاح لحل كثير من مشاكل السودان الأخرى.
وضع الكهرباء قبل 1999
إجمالي إنتاج الكهرباء في السودان لم يكن يتجاوز 90 ميغاواط فقط.
يؤكد أن الوضع كان أسوأ بكثير مما هو عليه الآن، رغم شكوى الناس الحالية.
· لم تكن هناك عدادات دفع مقدم، ولا بنية تحتية رقمية، ولا أي من الأدوات المتاحة اليوم.
· كانت الكهرباء تعتمد على محطات مائية محدودة (الدمازين بشكل رئيسي).
*المرحلة الأولى – الخروج من أزمة الكهرباء (استغرقت 5 سنوات)*
1. تشخيص المشكلة: الأزمة مالية بالدرجة الأولى
· المشكلة ليست تقنية فقط، بل مالية في جوهرها: دخل الكهرباء لا يغطي تكاليفها.
· كان هناك جهل شبه كامل بالمشتركين الفعليين: من هم؟ أين يسكنون؟ كم يستهلكون؟ ومن يدفع ومن لا يدفع؟
*. مشروع جمع وتصحيح معلومات المشتركين*
· تم تكوين فريق من خريجي جامعة السودان وجامعة الخرطوم.
· من الأسماء التي ذكرها كمثال: مواهب الرحمن (جامعة الخرطوم)، ووصف حسن (جامعة السودان).
· إدخال الحاسوب في وقت كان الحاسوب شيئاً غريباً، بقيادة فريق تقني ضم: رحمة، وإبراهيم الأمين، وصلاح الأمين.
*3. نظام الشرائح الثابت – حل مبتكر لمشكلة القراءة*
بعد جمع المعلومات، واجهتهم مشكلة كبيرة في قراءة العدادات. الحل كان تقسيم المشتركين إلى ثلاث شرائح حسب مستوى الحي:
· الشريحة الثالثة ( المنازل الشعبية): 250 كيلوواط/ساعة شهرياً (أمثلة: الكلاكلة، الصحافة، جبرة).
· الشريحة الثانية: 500 كيلوواط/ساعة شهرياً (أمثلة: الامتداد درجة ثانية وثالثة).
· الشريحة الأولى: 750 كيلوواط/ساعة شهرياً (أمثلة: الرياض والأحياء الراقية).
الآلية: لم يعد القارئ يقرأ، بل يوزع الفواتير فقط. ومن يشتكي يُرسل له قارئ ليقرأ استهلاكه الفعلي. أما من لا يشتكي فيدفع حسب الشريحة.
النتيجة: نجاح كبير، تدفق المال، وبدأ الناس يأتون للدفع طواعية.
*4. التوسع في المكاتب الفرعية*
· قبل الخطة: 3-4 مكاتب فقط في الخرطوم.
· بعد نجاح النظام: أكثر من 40 مكتباً في العاصمة وحدها.
· واكتمل التحول من النظام المركزي القديم (Mainframe) إلى أجهزة الحاسوب الشخصي (PC) في المكاتب الفرعية، لتطبع الفواتير محلياً، رغم معارضة البعض خوفاً على البيانات.
*5. الخطة الثلاثية الكاملة*
الخطة الأولى: الخروج من أزمة الكهرباء (5 سنوات). وتضمنت:
· هيكلة الكهرباء من جديد.
· تغيير قانون الكهرباء من قانون 1982 إلى قانون جديد وقانون الهيئة القومية للكهرباء.
· إلغاء كثير من الوظائف غير الضرورية.
الخطة الثانية: الخروج بالكهرباء من جسم مدعوم إلى جسم داعم للدولة.
*الخطة الثالثة: تنمية قطاع الكهرباء*
*6. الأسس الأربعة لإعادة الهيكلة*
قامت الخطة على أربعة أسس رئيسية:
1. الكهرباء تعمل في مجالها الأساسي: توليد، نقل، توزيع، مالية وإدارة.
2. العمل بالجودة الشاملة (Total Quality Management).
3. إدخال الحاسوب في كل أوجه نشاط الهيئة.
4. إيجار الخدمات (Outsourcing): كل ما أمكن تأجيره يُؤجّر (فراشين، كناسين، جنائنية، نجارين، حدادين، سباكين). ويؤكد أن كهرباء السودان كانت أول مؤسسة سودانية تطبق هذا المبدأ.
*7. إلغاء الوظائف غير الأساسية*
· عدد العاملين في الهيئة كان بين 20,000 و 23,000 موظف.
· تم إلغاء 13,800 وظيفة (خدمات مساندة) من خلال قراري مجلس الوزراء رقم 555 و 585.
· تم منحهم حوافز مالية كبيرة طواعية، لدرجة أن بعض من لم تشملهم الوظائف الملغاة طلبوا إدراجهم للاستفادة من الحوافز.
· استغرقت العملية سنتين، وانتهت بوصول عدد العاملين إلى حوالي 7,000 موظف فقط، كلهم من التخصصات المطلوبة.
· تم رفع شروط التوظيف: المهندس بكالوريوس، العامل دبلوم سنتين، الموظف بكالوريوس.
*8. إعادة بناء البنية التحتية – التوليد والنقل*
محطة قري 1 (الصينية):
· أول محطة توليد صينية تدخل أفريقيا كلها، وليس السودان فقط (شركة هاربيين).
· كان لها دور كبير في استقرار الكهرباء.
· عندما احترق أحد الأبراج، استُخدمت أموال التأمين لتمويل محطة قري 2.
· قري 2 تم جلبها من تايلاند التي كانت تعاني من انهيار اقتصادي (Collapse).
· تم تحويلها لاحقاً إلى الدورة المركبة (Combined Cycle).
*محطة بحري:*
· بدأت بـ 180 ميغاواط، أضيفت مكنتان لتصبح 200، ثم 380 ميغاواط.
خطوط النقل (Transmission Lines):
· أول خط نقل من منطقة الجيلي يدخل الشبكة القومية.
· المهندس محمد الأمين كان مديراً لهذا المشروع.
· المهندس أمين صبري وفريقه للتخطيط.
· المهندس عثمان عبد الكريم ومغربي الحاج ياسين (رحمه الله).
بناء الأبراج بسواعد سودانية:
· معظم أبراج النقل تم بناؤها بقدرات وكوادر الهيئة نفسها، وليس بمقاولين أجانب.
· المواد (Members) كانت تُستورد من الصين، ويتم التركيب والشد بأيدٍ سودانية.
· تم شراء معدات متخصصة لتركيب الأبراج وشد الخطوط.
· تطور مذهل في الأداء: البرج الواحد كان يستغرق 9 أيام، وفي النهاية أصبح بالإمكان تركيب وشد 100 برج في شهر واحد.
*تأهيل محطة الدمازين:*
· جزء كبير من المهندسين تدربوا في النمسا على صيانتها، وكانوا النواة الأولى للجيل الذي عمل في محطة مروي لاحقاً.
*9. تطوير شبكة النقل – المحطات الفرعية العملاقة*
· تم اعتماد سياسة جديدة: لا محطة فرعية (Substation) بمحول أقل من 100 MVA، وصولاً إلى محولات 150 MVA.
· أُلغيت المحولات الصغيرة (7.5 و 5.5 و 2.5 MVA) التي كانت تنقل من الجهد العالي إلى الجهد المنخفض.
*10. نقلة نوعية في العمل الإداري*
· تم تغيير شكل المكاتب إلى نظام المساحات المفتوحة (Open Space).
· أجهزة كمبيوتر لكل موظف.
· إلغاء المراسلات الورقية، وكل شيء صار إلكترونياً.
· تم توحيد ملابس الموظفين وتحسين بيئة العمل.
*11. التدريب على الجودة الشاملة*
· استمر التدريب على الجودة الشاملة 8 سنوات.
· من أبرز من عملوا في هذا المجال: المهندس صديق أحمد إسحاق، وآمال الدرديري.
*12. مشروع الطاقة النووية*
· كان المهندس مكاوي رئيساً للجنة الفنية للتوليد النووي.
· ضمت اللجنة 40 شخصاً، بينهم 7 من حملة الدكتوراه، إضافة إلى وزارة المالية والعدل والطاقة والتقانة والبيئة.
· عملوا تحت مظلة وإشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية (IAEA).
· الرقم المسجل للمشروع: SD 01.
· تم إعداد كتاب باللغة الإنجليزية: “The Preparation of the First Nuclear Generation in Sudan”.
· المشروع استهدف إنتاج 15,000 ميغاواط، لكنه توقف لضغوط خارجية.
*رابعاً: المرحلة الثانية – من جسم مدعوم إلى جسم داعم*
1. التوسع الكبير في التوليد
· محطة كوستي (وقعت بجوار بلوك 8 للنفط، ويمكنها التحول للغاز الطبيعي مستقبلاً).
· محطة أم دباكر (500 ميغاواط، تعمل بالنفط الخام “كرود”، ومُصممة للمستقبل: مأخذ المياه مصمم لاستيعاب 4,000 ميغاواط، والأرض كبيرة ومهيأة للتوسع).
1. رؤية استراتيجية للوقود
· كانوا يخططون للتحول من النفط الخام إلى الغاز الطبيعي فور توفره.
· تم تشجيع وزارة النفط على إنتاج الغاز من منطقتي تندلتي وديندر.
1. إنشاء الجهاز الرقابي
· صدر قانون الكهرباء الجديد الذي أنشأ الجهاز الرقابي للكهرباء ولغير الكهرباء لتنظيم عمل الشركات الخاصة.
1. نتائج المرحلة الثانية
· الهيئة القومية للكهرباء أصبحت من أغنى مؤسسات الدولة.
· الكهرباء لم تعد بحاجة لدعم من الحكومة، بل صارت جسماً داعماً.
*خامساً: المرحلة الثالثة – تنمية قطاع الكهرباء (الرؤية الكاملة)*
قامت الهيئة بالتعاقد مع شركة BB Power لوضع الخطط الكاملة. وكانت الرؤية:
1. خريطة المحطات الكبرى
· محطة بورتسودان (فحم حجري): في منطقة أركاي، تستهدف 12,000 ميغاواط. وتم توقيع اتفاقية مع جنوب أفريقيا لتوريد الفحم الحجري عبر البحر الأحمر.
· محطة كوستي: تستهدف 8,000 ميغاواط، تعمل بالغاز الطبيعي والبترول.
· محطة الفولة: تعمل بالغاز الطبيعي (Free Gas)، وتستهدف 4,000 ميغاواط، في حوض البقارة حيث تم حفر 10 آبار، والمياه الجوفية تكفي لتشغيلها 40 سنة.
· محطات مائية في الجنوب: شاكولي، بادن، الفولة (4 محطات في بحر العرب).
1. إنجازات التصنيع المحلي
· مصنع عدادات الدفع المقدم: أنتجه السودان محلياً (شركة Conlog بجنوب أفريقيا كان لها دور).
· مصانع الأعمدة: مصنع كيلو 10، ومصنع جبرة. وقام المهندس حامد ولد الجبل بتصميم عمود يحمل دائرتين بدلاً من واحدة.
· مصانع الأسلاك والكوابل: مصنع جياد السويدي (غطى 40% من الطلب)، ومصنع ليدر تكنولوجي (غطى 25%).
· مصانع المحولات: ترانسودان (350 محول شهرياً)، وسوداتراف (400 محول شهرياً).
· خطوط النقل: 3,800 كيلومتر من خطوط النقل، و18 محطة نقل، و52 محطة توزيع.
· وصول الكهرباء جنوباً إلى الرنك، وشرقاً إلى كسلا وأروما وبورتسودان، وشمالاً إلى حلفا القديمة.
1. الهدف لعامي 2023-2025
· 15,000 ميغاواط إنتاج كلي.
· وصول الكهرباء إلى 80% من مساحة السودان بما فيه جنوب السودان.
· المحطات الصغيرة العاملة بالجازولين تصبح Redundant (ملغاة).
· الشبكة تتحول إلى 500 كيلو فولت كأعلى جهد.
· الخطة الموضوعة مكتوبة وجاهزة ولا تحتاج لدراسة جديدة.
*سادساً: الحل الآن
· الأولوية القصوى: معالجة المحطات المتوقفة (بحري، كوستي، أم دباكر، ومحطات مروي).
· الطاقة الشمسية المنزلية تُخفف العبء عن الشبكة لكنها ليست حلاً جذرياً.
· المحطات الكبيرة تأتي بقروض حكومية طويلة الأجل، وليس بمجهود شعبي مباشر.
· أهم عامل في التوليد الحراري هو الوقود الرخيص.
· كل الخطط والدراسات موجودة وجاهزة في أدراج الهيئة، وتحتاج فقط إلى إرادة سياسية للتنفيذ.
المهندس مكا أشار إلى أن الحل موجود، والخطط جاهزة، والتجربة السابقة أثبتت أن النجاح ممكن.
ويؤكد أن ما ينقص اليوم ليس الدراسات ولا المعرفة، بل الإرادة السياسية واستعادة الكفاءات الوطنية التي صنعت النهضة الأولى.





