أخبار

أبو فاطمة عمار حسن : السودان ما بعد الحرب من الدولة المركزية إلى دولة الولايات

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

لا شك أن الخرطوم حاضرة السودان وعاصمته لم تعد هي الخرطوم التي عرفناها قبل الحرب وهذه حقيقة يفرضها الواقع ولا يجوز تجاوزها أو إنكارها غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني الاستسلام لها بل ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة كثير من المفاهيم التي حكمت إدارة الدولة لعقود طويلة

 

إن إعادة إعمار الخرطوم ضرورة وطنية لا يختلف عليها اثنان لكن الأهم من إعادة تشييد المباني هو إعادة بناء فلسفة إدارة الدولة لأن إعادة الإعمار بالعقلية القديمة لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها ولو تغيرت القيادات وتبدلت الوجوه

 

أولًا: الأزمة ليست في الأشخاص… بل في منهج الإدارة

 

اعتاد الناس عند وقوع الأزمات أن يوجهوا اللوم إلى الأشخاص ويطالبوا بتغيير المسؤولين بينما تبقى الأسباب الجوهرية للأزمة على حالها

 

والحقيقة أن تغيير القيادات مع بقاء المنهج الإداري نفسه لا يصنع تحولًا حقيقيًا لأن الأزمة ليست أزمة أشخاص وإنما هي أزمة فكر إداري ورؤية للدولة وطريقة في توزيع الموارد والخدمات

 

ثانيًا: المركزية الإدارية… جذور الأزمة

 

لقد أسهمت المركزية الإدارية على مدى سنوات طويلة في تركيز معظم مؤسسات الدولة والخدمات الحيوية والاستثمارات والجامعات والمستشفيات المرجعية داخل العاصمة في مقابل ضعف التنمية في كثير من الولايات

 

ونتيجة لذلك أصبحت الخرطوم مقصدًا لكل من يبحث عن العلاج أو التعليم أو الوظيفة أو الاستثمار فتكدست فيها الكثافة السكانية بصورة كبيرة بينما ظلت ولايات عديدة رغم ما تملكه من موارد وإمكانات تعاني نقصًا في الخدمات وفرص التنمية

 

وهذا الخلل لم يكن وليد الحرب وإنما كان قائمًا قبلها إلا أن الحرب كشفت آثاره بصورة أوضح

 

ثالثًا: الحرب كشفت هشاشة النموذج المركزي

 

لقد امتدت الحرب إلى عدد من الولايات وخلفت آثارًا مؤلمة في مناطق متعددة إلا أن ما أصاب الخرطوم كان أكثر تأثيرًا على الدولة بأسرها لأن معظم المؤسسات السيادية والخدمات الاستراتيجية ومراكز اتخاذ القرار كانت متركزة فيها

 

وقد أظهرت الحرب حجم المخاطر التي قد تترتب على تركُّز المؤسسات والخدمات الحيوية في العاصمة إذ أدى تعطلها إلى تعطّل قطاعات واسعة من الدولة وهو ما يؤكد أهمية إعادة توزيع المؤسسات والخدمات بصورة تحقق قدرًا أكبر من التوازن والاستقرار

 

رابعًا: دولة الولايات… مشروع نهضة لا شعار سياسي

 

من خلال ما اطلعت عليه أثناء زيارتي لعدد من الدول في القارة الإفريقية ودول الخليج العربي وبعض دول شرق آسيا وجدت أن كثيرًا من الدول التي حققت نجاحًا في التنمية لم تجعل العاصمة تحتكر كل مقومات الدولة وإنما اعتمدت على توزيع المؤسسات والخدمات بين الولايات والأقاليم وفق احتياجاتها وإمكاناتها.

 

فعندما تنتقل إلى أي ولاية أو محافظة أو إمارة تجد الخدمات الأساسية متوفرة من تعليم وعلاج واستثمار وبنية تحتية ومؤسسات خدمية دون أن يضطر المواطن إلى الهجرة نحو العاصمة طلبًا لأبسط حقوقه

 

وهذا النموذج لا ينتقص من مكانة العاصمة بل يجعلها أكثر قدرة على أداء دورها الطبيعي وفي الوقت نفسه يمنح بقية الولايات حقها في التنمية ويحقق التوازن الذي تقوم عليه الدول الحديثة

 

خامسًا: إعادة الإعمار تبدأ بإعادة التفكير

 

إن إعادة إعمار الخرطوم لا ينبغي أن تقتصر على تشييد الطرق والجسور والمباني بل يجب أن تبدأ بإعادة النظر في فلسفة إدارة الدولة حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها في المستقبل

 

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على توزيع المؤسسات والخدمات والمشروعات القومية بين الولايات بما يحقق تنمية متوازنة ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات ويمنع تركز الموارد في بقعة جغرافية واحدة

 

ولعل من أعظم الدروس التي أفرزتها الحرب أنها دفعت الجميع إلى إعادة التفكير في كثير من المسلمات وهي فرصة ينبغي أن تُستثمر لبناء دولة أكثر توازنًا وعدلًا واستدامة

 

سادسًا: السودان يحتاج إلى عقول تصنع المستقبل

 

إن النهضة لا تصنعها الإدارات التي لا تتحرك إلا بعد وقوع الأزمات وإنما تصنعها العقول التي تستشرف المستقبل وتبني الخطط قبل الحاجة إليها

 

فليس من التخطيط الرشيد أن ننتظر موسم الخريف حتى نبدأ في تأهيل مصارف المياه وليس من الإدارة الناجحة أن نعالج النتائج دون معالجة الأسباب

 

إن السودان يزخر بالشباب وبالكفاءات وبالعقول المبدعة القادرة على صناعة مستقبل مختلف لكنها تحتاج إلى مساحة للمشاركة وإلى بيئة تؤمن بالتخطيط الاستراتيجي وتمنح الكفاءة حقها في القيادة

 

إن السودان بعد الحرب يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته على أسس أكثر رسوخًا وعدلًا ولن يتحقق ذلك بمجرد إعادة إعمار العاصمة وإنما بإعادة صياغة فلسفة الدولة نفسها بحيث تقوم على تنمية متوازنة وتوزيع عادل للمؤسسات والخدمات والموارد بين جميع الولايات

 

إن تقوية الولايات لا تعني إضعاف الخرطوم بل تعني بناء دولة قوية تتوزع فيها مقومات التنمية بعدالة فلا تبقى العاصمة وحدها حاملةً لأعباء الدولة كلها ولا تبقى الولايات على هامش التنمية

 

أسأل الله أن يحفظ السودان وأهله وأن يهيئ له قيادة راشدة وعقولًا مخلصة تؤمن بالتخطيط وتحسن استثمار الدروس وتبني وطنًا قويًا مزدهرًا تتكامل فيه العاصمة مع الولايات ويجد فيه كل مواطن حقه في التنمية والعيش الكريم

 

أبو فاطمة عمار حسن

الخميس 6 أغسطس 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى