أخبار

الخطر لم يعد هناك… بل يمشي بيننا!!

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

كتب – لؤي اسماعيل مجذوب

المشهد في شوارع الثورة وود البشير لا يُقرأ كخبر عابر، بل كاختبار حقيقي لهيبة الدولة ووعيها. قوات خرجت بالأمس من معسكرات الخصم، تدخل اليوم المدينة بنفس الزي، بنفس السلاح، وبنفس الروح… وكأن الذي تغيّر هو الاتجاه فقط، لا العقيدة ولا السلوك.

المشكلة ليست في الاستسلام، بل في طريقة استلامه.

حين تتحرك قوة مستسلمة داخل مدينة مأهولة، بسلاحها الكامل، وبلباسها السابق، دون إعادة تعريف واضحة لوضعها القانوني والعسكري، فإن الرسالة التي تصل للمواطن ليست “الدولة كسبت”، بل “الفوضى أعادت ترتيب نفسها”. وهذا أخطر بكثير من أي اشتباك.

المواطن الذي رأى نفس الزي يقتحم بيته بالأمس، لا يمكن أن يراه اليوم يتجول أمامه ويطلب منه أن يطمئن. الذاكرة لا تعمل بالأوامر العسكرية، ولا تُمحى بالتصريحات. وإذا لم تُدار هذه اللحظة بوعي، فإننا لا نُعيد دمج قوات… نحن نُعيد إنتاج الاحتقان.

الخطأ ليس في استقبال النور قبة، ولا في استثمار الحدث عسكرياً ونفسياً، بل في غياب ما بعد الاستقبال. الدولة تعاملت مع لحظة التسليم كحدث إعلامي، لا كبداية مسار طويل ومعقد يحتاج إلى هندسة دقيقة.

أي قوة تستسلم يجب أن تُنزع منها أولاً “قدرتها على أن تبقى كما هي”. ليس فقط السلاح، بل الشكل، الحركة، الإشارة، وحتى اللغة. لأن أخطر ما في هذه القوات ليس بندقيتها… بل عقلها الذي لم يتغير بعد.

التجوال داخل المدن خطأ استراتيجي، ليس فقط لأنه يثير الشارع، بل لأنه يضع هذه القوات في مواجهة مباشرة مع مجتمع لا يزال ينزف منها. أي احتكاك بسيط يمكن أن يتحول إلى شرارة، وحينها لن يكون السؤال: من أخطأ؟ بل: لماذا لم نمنع الخطأ من الأصل؟

المعالجة تبدأ من عزل هذه القوات، لا دمجها فوراً. العزل ليس عقوبة، بل ضرورة. معسكرات خارج المدن، رقابة صارمة، سحب تدريجي للسلاح، إعادة تأهيل نفسي قبل العسكري، ثم إعادة تشكيل الهوية قبل إعادة توزيع الأدوار. غير ذلك، نحن فقط نغيّر اللافتة ونُبقي الجوهر.

أما الإبقاء على زي الدعم السريع، فهو ليس تفصيلاً شكلياً كما قد يظن البعض، بل خطأ أمني ونفسي فادح. الزي هنا رمز، والرمز في زمن الحرب أقوى من الرصاصة. حين يرى المواطن هذا الزي، فهو لا يرى “قوة مستسلمة”… بل يرى “العدو الذي لم يعتذر بعد”.

والأخطر من ذلك، أن بعض هذه القوات لا تزال تتصرف بروح التفوق، وكأنها لم تُهزم بل أعادت التموضع. هذه الروح إن لم تُكسر مبكراً، ستتحول لاحقاً إلى بؤرة تمرد داخلية، أو إلى مشروع صراع جديد على السلطة والثروة.

السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس: كيف نستقبل المزيد من المستسلمين؟ بل: هل نحن جاهزون فعلاً لتحمّل نتائجهم؟

فتح الباب للاستسلام دون وجود منظومة واضحة للتعامل مع ما بعده، هو مخاطرة قد تنقلب على الدولة نفسها. لأنك لا تستقبل أفراداً فقط، بل تستقبل شبكات، علاقات، ثقافات قتال، وأنماط سلوك كاملة.

نحن بحاجة إلى عقيدة واضحة في التعامل مع “القوة المستسلمة”، لا اجتهادات لحظية. عقيدة تبدأ من:

أن الاستسلام لا يمنح حصانة… بل يفرض التزاماً.

وأن الدمج لا يتم بالمصافحة… بل بإعادة البناء.

وأن الشارع ليس متفرجاً… بل طرف يجب حمايته نفسياً قبل أمنياً.

امتصاص غضب الشارع لا يتم بالوعظ، بل بالفعل. حين يرى المواطن أن هذه القوات تم نزع سلاحها، تغيير زيها، تقييد حركتها، وإخضاعها لبرامج تأهيل حقيقية، سيتحول الغضب تدريجياً إلى قبول حذر. أما تركها تتجول بحرية، فهو استفزاز غير مبرر.

الوعي المطلوب الآن داخل القوات النظامية ليس فقط انضباطاً، بل فهم عميق لطبيعة هذه المرحلة: نحن لا نحارب عدواً خارجياً فقط، بل نعيد تشكيل الداخل. وأي خطأ في هذه العملية سيكلفنا لاحقاً أكثر مما كلفتنا المعارك.

الاحتفاء المبالغ فيه قد يُقرأ كضعف، أو كرسالة خاطئة لبقية المليشيات: “تعالوا كما أنتم… سنستقبلكم كما أنتم”. وهذه أخطر دعوة يمكن أن تُرسل في هذا التوقيت.

أما النور قبة نفسه، فالقضية ليست شخصه، بل ما يمثله. أي قائد مليشيا سابق يحمل معه مشروع قوة، وليس فقط تاريخاً عسكرياً. وإذا لم تُضبط هذه المشاريع داخل إطار الدولة بصرامة، فإنها ستبحث عن مسارات أخرى… وغالباً لن تكون سلمية.

المسألة في جوهرها ليست أمنية فقط، بل سيادية. هل الدولة قادرة على تحويل خصوم الأمس إلى عناصر منضبطة داخلها؟ أم أنها ستكتفي بتغيير مواقعهم وتترك الزمن يعالج ما لا يُعالج؟

إن لم نضع اليوم نموذجاً صارماً وواضحاً للتعامل مع هذه الحالات، فإننا نؤسس لفوضى مؤجلة. فالحرب لا تنتهي بتسليم السلاح… بل تبدأ مرحلة أخطر: إدارة من حملوه.

وهنا فقط يُقاس النصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى