
متابعات | تسامح نيوز
كتب – عوض الكريم إبراهيم
كنت أظن أن حادثة الاعتداء على الطريق القومي الرابط بين الشمالية والخرطوم ستحرك ساكن الحكومة خاصة حكومة الخرطوم وحكومة الولاية الشمالية وكنت أظن أن بيانا رسميا سيصدر عاجلا ليجلي الأمر ويكشف الحقائق ويطمئن المواطنين ويؤكد أن الدولة لا تزال حاضرة وأن أمن الطريق القومي ليس مباحا ولا متروكا للصدفة أو للأهواء أو للقوة المنفلتة
لكن الذي حدث هو الصمت
صمت الأجهزة الاتحادية التي تسيطر على القوات وصمت حكومة الخرطوم وصمت حكومة الولاية الشمالية وصمت اللجان الأمنية وصمت كل من يفترض أن يكون مسؤولا عن أمن المواطن وحماية الطريق وحفظ هيبة الدولة لا بيان لا إدانة لا تحقيق معلنا لا توضيح لا نفي لا اعتراف ولا حتى كلمة واحدة ترد على نداءات أصحاب العربات الذين تعرضوا للاعتداء وتضرروا منه
فأي دولة هذه التي يقع فيها اعتداء على طريق قومي ثم لا تجد الضحية من يسأل عنها وأي أمن هذا الذي تنتشر حوله الارتكازات والقوات واللجان والمسميات ثم يعجز عن حماية مواطن يسير في طريق يفترض أن يكون تحت عين الدولة وسلطتها
إن الأمر ليس حادثا عابرا يمكن تجاوزه وليس مجرد مشكلة صغيرة بين أفراد وليس خلافا يمكن دفنه بالصمت نحن نتحدث عن اعتداء وقع على طريق قومي يربط الشمالية بالخرطوم طريق تمر عبره مصالح الناس وعربات المواطنين والمرضى والطلاب والتجار وأصحاب الأعمال وكل من اضطرته الحياة إلى الانتقال بين الولاية الشمالية والعاصمة
ونحن نتحدث عن نداءات واضحة صدرت من أصحاب العربات الذين تعرضوا للاعتداء وعن اتهام مباشر ذهب إلى القوات المشتركة وهذا الاتهام لم يصدر من جهات مجهولة ولم يكن حديثا مرسلا في مجالس الناس بل صدر من الذين تم الاعتداء عليهم أنفسهم لمعرفتهم بمن اعتدى عليهم
فإذا كان الاتهام غير صحيح فلتخرج الجهات المسؤولة وتنفيه بوضوح وتكشف للرأي العام حقيقة ما حدث وإذا كان صحيحا فالمصيبة أعظم لأن ذلك يعني أن المواطن أصبح مهددا ممن يفترض أن يكونوا جزءا من منظومة حمايته وتأمينه وفي الحالتين لا يجوز الصمت ولا يجوز دفن القضية ولا يجوز ترك الناس نهبا للخوف والأسئلة والقلق
هل ما عادت أرواح الناس وسلامتهم وأمنهم تشكل هما أو هاجسا أو أمرا يحرك المسؤولين هل أصبح المواطن آخر ما يفكر فيه من يجلسون في مواقع القرار وهل صار الطريق القومي مكانا مباحا للاعتداء والإذلال والنهب ثم يطلب من الناس أن يصمتوا ويتحملوا وينتظروا
ومن العجيب في الأمر إذا مس أحد المسؤولين في الدولة اتهام استنفرت له أجهزة الدولة الرسمية والشعبية وتحركت اللجان وفتحت البلاغات وصدرت البيانات وتحدثت المنابر حتى يصلوا إلى نتيجة بل إن آخرين زج بهم في السجون لأن أقلامهم طالت بعض المسؤولين أو لأنهم تحدثوا في شأن يخص أصحاب النفوذ
أما إذا كان المعتدى عليه مواطنا عاديا وأصحاب عربات خرجوا يطلبون رزقهم أو يقضون مصالحهم ووقع عليهم اعتداء في طريق قومي فإن الصمت يصبح هو الجواب وكأن دماء الناس وأمنهم وكرامتهم لا تستحق حتى بيانا واحدا
هل أصبحت قيمة المواطن تقاس بموقعه ومنصبه وعلاقاته وهل صارت الدولة سريعة الغضب إذا اقترب الكلام من المسؤولين بطيئة الحركة إذا وقع الخطر على عامة الناس إن الدولة التي لا تحمي مواطنيها ولا ترد على صرخاتهم ولا تحقق في الاعتداءات التي تقع عليهم تترك فراغا خطيرا لا يملؤه إلا الخوف والفوضى وفقدان الثقة
وأين الارتكازات على طول الطريق بين كل عدة أمتار ارتكاز وارتكازان فما الفائدة من هذه الارتكازات إذا كانت الخروقات الأمنية تقع بهذا المستوى وبهذه الطريقة ما فائدة الوقوف والتفتيش وإيقاف العربات وإرهاق المسافرين إذا كان المعتدي يستطيع أن يضرب ثم يختفي أو يعتدي ثم لا يجد من يسأله أو يحاسبه
هل الارتكازات لحماية المواطن أم لإظهار القوة على المواطن هل هي لتأمين الطريق أم لتعطيل الناس وإرهاقهم هل هي لضبط الأمن أم مجرد مواقع قائمة بالاسم بلا مسؤولية حقيقية وبلا قدرة على منع الجريمة أو ملاحقة مرتكبيها
وأين المقاومة الشعبية التي أنشئت من أجل هذا الأمر أين الذين قيل إنهم موجودون لسد الثغرات والقيام بواجب التأمين وحماية المجتمع أين الميزانيات والإمكانات التي خصصت لهم أم أن المقاومة الشعبية أصبحت مواتا لا روح ولا حياة فيها ترافق هذا وذاك وتظهر في المناسبات ثم تغيب حين يحتاج إليها المواطن في الطريق وفي السوق وفي القرى وفي المدن
لا نريد مسميات كثيرة ولا نريد لافتات ضخمة ولا نريد لجانا لا تعمل ولا قوات لا تحمي ولا بيانات لا تصدر إلا عند الحاجة إلى تبرير الفشل نريد أمنا حقيقيا ومحاسبة حقيقية وتحقيقا حقيقيا وإجابة واضحة عن سؤال بسيط من الذي اعتدى على المواطنين في الطريق القومي بين الشمالية والخرطوم
وأين أجهزة المراقبة الفضائية أين الأقمار والمسيرات وكاميرات المراقبة أين كل ما يقال عن الرصد والمتابعة والتأمين إن هذه الحادثة وقعت في حدود ولاية الخرطوم وعلى بعد أربعين كيلومترا فقط من الخرطوم وليست في مكان مجهول أو منطقة نائية أو أرضا لا تصل إليها الدولة
فكيف يقع هذا الاعتداء ثم لا تتحرك حكومة الخرطوم وكيف لا تتحرك الولاية الشمالية والمعتدى عليهم من أهلها وأبنائها وكيف لا تتحرك قيادات الأجهزة وكأن الأمر لا يعنيها وكأن الطريق ليس طريقا قوميا وكأن الضحايا ليسوا مواطنين سودانيين لهم حق الحماية والأمن والكرامة
إن كان مثل هذه الأحداث عندكم أمرا عاديا واعتياديا ولا يجب أن تقوم فيه النفس ولا تجري له الإجراءات ولا يزعج الكل فنقول لكم إن الأمر عندنا ليس بالبساطة التي تنظرون بها إلى الأحداث عندنا هذا الأمر جلل وخطر ويهدد الأمن والسلامة ويصبح مهددا أمنيا لنا ولأهلنا ولكل من يسلك هذا الطريق
السكوت عن الاعتداء اليوم يفتح الباب لاعتداء أكبر غدا والتهاون في حماية الطريق اليوم يجعل مدن الولاية هدفا غدا وعدم محاسبة المعتدي اليوم يشجعه على العودة مرة أخرى ويشجع غيره على أن يفعل الشيء نفسه وهكذا تبدأ الفوضى حادثة تسكت عنها الدولة ثم حادثة أخرى ثم يصبح الخوف هو القانون ويصبح المواطن وحده في مواجهة المجهول
وإذا عجزت أجهزتكم عن الوفاء بالتزاماتها نحو المواطن فنقول لكم دعوا الأمر إلى أهل الشمال فهم جديرون بحماية مجتمعهم وبإزالة كل تهديد يمسهم وقديما كان إذا حدثت مجرد سرقة تنادا الكل حتي تسترد كل المسروقات لان في مخيلتهم ترك السرقة يجر اشياء اخري ويمكن لهم كشف الجناة وتسليمهم للعدالة أهل الشمال لا يطلبون فوضى ولا يدعون إلى تجاوز القانون لكنهم لن يقبلوا أن يظل إنسانهم مستباحا في طريقه ثم يطلب منه أن يصمت لأن من قصرت أيديهم عن حمايته لا يريدون حتى الاعتراف بما حدث
يا اللجنة الأمنية بالخرطوم الأمر يخصكم فهو وقع في دائرة اختصاصكم وعلى أرضكم فلا تهربوا من المسؤولية ولا تتركوا القضية للهمس والشائعات والتخمينات اخرجوا إلى الناس بالحقيقة وافتحوا تحقيقا واضحا واستمعوا إلى أصحاب العربات واجمعوا الأدلة وأعلنوا للرأي العام ما توصلتم إليه
ويا لجنة أمن الولاية الشمالية الذين تم الاعتداء عليهم من ولايتكم فكيف تنامون وترتاحون وتهنؤون وهناك مواطن أرق مضجعه وتم الاعتداء عليه بصورة سافرة كيف تصمتون وأهل الولاية يسيرون في طريق يخافون فيه على أرواحهم وعرباتهم وكرامتهم
أين مخابراتكم وأين لجانكم وأين الميزانيات الممنوحة إليكم لحماية إنسان الشمال من أي تهديد أو اعتداء أين التنسيق بينكم وبين الأجهزة الاتحادية وأين واجبكم في المطالبة بحقوق مواطني الولاية وحمايتهم ومتابعة قضاياهم
لا نريد وعودا جديدة ولا نريد كلمات للاستهلاك ولا نريد أن تتحرك الدولة بعد أن تقع كارثة أكبر نريد إجراءات الآن تحقيق شفاف وإعلان للحقائق ومحاسبة للمعتدين وحماية للطريق وإعادة النظر في كل الارتكازات والقوات واللجان التي ثبت أنها لم تمنع الخرق ولم تحم المواطن
متى نرى الرجال قدر المسؤولية ومتى نرى من يتحرك لأن مواطنا اعتدي عليه لا لأن مسؤولا غضب أو لأن صاحب منصب انزعج ومتى نرى من يضع أمن الناس فوق الحسابات والمجاملات والمصالح
إن لم تكن مواقع المسؤولية لحماية المواطن فما قيمتها وإن لم تكن اللجان الأمنية قادرة على كشف المعتدي ومحاسبته فما جدوى بقائها وإن لم تكن الحكومة تسمع صوت الناس حين يصرخون فكيف تطلب منهم الثقة والصبر والالتزام
هذا الطريق ليس ملكا لقوة ولا لجنة ولا مسؤول هذا الطريق طريق الناس وأمنه حق للناس وكرامة من يسلكه واجب على الدولة ومن يتهاون في هذا الحق أو يصمت عنه أو يتعامل معه كأنه أمر عادي يتحمل مسؤوليته أمام الناس وأمام التاريخ.





