
متابعات | تسامح نيوز
كتب – الخبير المصرفي وليد دليل
أطلق الفريق أول عبد الفتاح البرهان دعوته إلى حوار سوداني–سوداني، مرفقة بتعهدات بحصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وتعليق للإجراءات الجنائية بحق من صدرت بحقهم اتهامات، على أن تتولى إدارة العملية آلية وطنية مستقلة لا تكون الدولة فيها هي الجهة المحددة للأجندة أو المخرجات.
وبدأت منذ ذلك الحديث ترتيبات فعلية لانعقاد المؤتمر في الخرطوم، وظهرت لجنة الإعداد إلى العلن بعد أسابيع من التداول في الغرف المغلقة.
غير أن اللافت في كل ما كُتب ونوقش حتى الآن هو أن الجدل كاد ينحصر بالكامل في هوية الداعي، ومدى تمثيلية الحوار، وغياب الطرف الثاني في النزاع، بينما ظل الملف الاقتصادي، وهو الملف الذي سيقرر عمليا هل يصمد أي اتفاق سياسي أم ينهار في عامه الأول، على هامش النقاش.
هذا التغييب ليس تفصيلا عابرا. فالسودان الذي يذهب إلى طاولة حوار وطني هو اقتصاد أنهكته أعقد أزماته في تاريخه الحديث، بفعل هشاشة هيكلية متراكمة وغياب رؤية اقتصادية بعيدة المدى، مقترنة بسيطرة فصائل مسلحة على جزء من موارد البلاد. والدين الخارجي وحده، بمعزل عن كلفة الحرب المباشرة، يحمل تراكما تاريخيا يعود إلى عام 1958، مع متأخرات تجاوزت نسبتها 85% من إجمالي الدين وفق تصنيفات البنك الدولي، موزعة بين مؤسسات متعددة الأطراف ونادي باريس ودائنين آخرين لكل منهم شروطه وأولوياته التفاوضية الخاصة. ولا يمكن لأي حوار سياسي، مهما بلغت جدية أطرافه، أن يفضي إلى استقرار فعلي ما لم يترافق مع مسار مواز لإعادة هيكلة هذا الدين وفتح قنوات التمويل الدولي المجمدة.
الأخطر من ذلك أن الحرب لم تترك الاقتصاد السوداني وحده يواجه أزمته، بل امتدت تداعياتها إلى شبكة الإقراض الإقليمي بأكملها؛ إذ حذرت وكالات التصنيف الائتماني الدولية من أن استمرار النزاع يضعف جودة أصول البنوك التنموية العاملة في السودان ودول الجوار، ويرفع من نسب القروض المتعثرة، ويربك السيولة في المصارف المحلية والإقليمية على حد سواء. بمعنى آخر، فإن كلفة الحرب تجاوزت الحدود الوطنية إلى محافظ مؤسسات التمويل الإسلامي والأفريقي، وهو ما يجعل أي حل سياسي داخلي، إن لم يقترن بخطة اقتصادية مقنعة لهذه المؤسسات، عاجزا عن إعادة فتح صنابير التمويل التي يحتاجها السودان لإعادة الإعمار.
وحين يتحدث بعض من كتبوا في هذا الملف عن حصر القضايا المفصلية في عدد محدود من الملفات الجوهرية للحوار، تحرصا على ألا يتكرر النمط السوداني المعتاد في تأجيل القضايا الأكثر حساسية إلى ما بعد التوقيع ثم تركها تنخر الاتفاق من الداخل، فإن أي قراءة موضوعية لهذه الملفات لا يمكن أن تستقيم من دون أن يكون الاقتصاد أحد أعمدتها الصريحة، لا بندا فرعيا يُذكر عرضا. فالوحدة النقدية والمصرفية للبلاد، ومصير المؤسسات المصرفية التي عملت تحت سلطات موازية خلال سنوات الحرب، وآلية توحيد سعر الصرف بين السوق الرسمية والموازية، وإعادة تفعيل المنظومة الجمركية والضريبية على أساس وطني موحد، كل هذه ملفات فنية بحتة لا تحتمل الحلول الخطابية، وتحتاج فرقا مصرفية ومالية متخصصة تعمل بالتوازي مع اللجان السياسية لا خلفها.
ثمة أيضا استحقاق آخر لا يقل خطورة، وهو أن العقوبات الأمريكية النافذة منذ يوليو 2026، وما رافقها من رفع لسعر الدولار الجمركي، تضع أي حكومة ما بعد الحوار أمام معادلة صعبة بين الانفتاح على الشركاء الدوليين وبين استمرار قيود مالية تخنق الاستيراد والتصدير في آن واحد. وإذا أضيف إلى ذلك واقع القطاع الزراعي الذي ما زالت المصارف التجارية تتلكأ في الوفاء بحصته التمويلية الإلزامية رغم إقرارها، وقطاع الذهب الذي يظل بحاجة إلى حوكمة أكثر صرامة لضبط تدفقاته خارج القنوات الرسمية، يتضح أن الدولة المقبلة، أيا كانت صيغتها السياسية، سترث اقتصادا يحتاج جراحة هيكلية لا ترميما تجميليا.
الحوار السوداني–السوداني، إذن، لن يقاس نجاحه فقط بعدد من يجلسون حول طاولته أو بمدى شمولية تمثيله، بل بقدرته على إنتاج مسار اقتصادي واضح يطمئن الدائنين والمستثمرين ومؤسسات التمويل الإسلامي والدولي على حد سواء. فالتاريخ السوداني القريب يقدم درسا واضحا: كل اتفاق سياسي لم يرافقه إصلاح اقتصادي جاد انتهى إلى هدنة هشة سرعان ما استعادت الأزمة فيها زخمها. ومن هنا، فإن أضعف نقاط الحوار الحالي ليست في غياب طرف النزاع الثاني وحده كما يشاع، بل في غياب الملف الاقتصادي عن صدارة الأجندة المعلنة، رغم أنه العصب الذي سيقرر، أكثر من أي بيان سياسي، هل يصمد السودان في مرحلة ما بعد الحوار أم ينزلق إلى دورة جديدة من الانهيار.





