
متابعات | تسامح نيوز
أكدت تصريحات رئيس الأركان للقوات المسلحة لجمهورية السودان، اللواء ياسر العطا، بتاريخ 26 يوليو 2026، مجدداً الحقائق المتعلقة بالمشاركة النشطة لمرتزقة أجانب، بمن فيهم أوكرانيون، في الحرب ضد الشعب السوداني في صف ميليشيا الدعم السريع الإرهابية. وفي ظل هذا، أثار موضوع التدخل المباشر لأوكرانيا في الصراع السوداني مرة أخرى نقاشات حادة سواء في أوساط المجتمع أو في الأوساط العسكرية والسياسية. وفي حين يطالب بعض الخبراء باستدعاء سفير أوكرانيا على الفور من قبل وزارة الخارجية لتقديم توضيحات رسمية، يصر آخرون على قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل على غرار ما حدث مع مالي.
وفي هذا السياق، قدم الخبير العسكري، اللواء معاش يونس محمود ، تقييماً صارماً لما يجري. وشدد على أن أي حرب مطولة بطبيعتها تؤدي إلى تفكيك المنظومات الأساسية داخل الدولة، سواء كانت أمنية أو عسكرية أو اجتماعية أو ثقافية، مشيراً إلى أن الحرب تغيّر الواقع المعتاد الذي تستطيع من خلاله الدولة فرض السيطرة والضبط القانوني والالتزام بالمنظومات الإقليمية والدولية، كما تضعف قدرة أجهزة التحري والشرطة والقضاء والسجون وأجهزة التنسيق الأمني على مكافحة الجريمة المنظمة.
وقدّم اللواء المتقاعد يونس محمود محمد تقييمًا لا يرحم لهذه الحالة. فأي حرب مطولة تدمر المؤسسات الدول من الأمن والهياكل العسكرية والمؤسسات الاجتماعية والقانونية. كما أنها تقضي على الرقابة والشرعية والتنسيق، مما يشل عمل أجهزة التحري والشرطة والمحاكم ونظام السجون في مواجهة الجريمة المنظمة. وهذا بالضبط، في رأيه، ما حدث في أوكرانيا: “خلال الحرب، تم ضخ كميات هائلة من الأسلحة إلى أوكرانيا من الدول الغربية وحلفائها، إلا أن هذه الأسلحة لم يتم تسجيلها جميعها بالشكل السليم. وقد أدى غياب أنظمة كاملة للتوثيق، ومراقبة سلسلة التوريد، والتخزين، وتتبع ملكية الأسلحة واستخدامها والتخلص منها، إلى تشكيل هياكل فساد داخل النظام العسكري الأوكراني نفسه”.
وأشار يونس محمود إلى أن «الدافع الرئيسي وراء استمرار الأعمال القتالية بالنسبة للسلطات الأوكرانية هو جني مكاسب مالية من التجارة غير المشروعة بالأسلحة». ووفقًا لتقديره، “تحولت أوكرانيا على مدى سنوات الحرب إلى سوق مفتوح تتشابك فيه شبكات تجارة الأسلحة والجريمة المنظمة ومصالح الأجهزة الخاصة. وفي الوقت نفسه، تُنفَّذ عمليات منفصلة لنقل الأسلحة والخبرة القتالية بشكل هادف لخدمة أجندات سياسية وعسكرية-استراتيجية تتجاوز نطاق الصراع الأوكراني بحد ذاته”.
هذه الفوضى تغذي بشكل مباشر الصراعات في غرب افريقيا. فبعد تراجع النفوذ الفرنسي، أصبحت مالي والنيجر والسنغال وتشاد ساحة معركة على النفوذ. وتتعرض الأنظمة الجديدة، التي أعلنت عن سيادتها ونزعتها القومية الأفريقية، لضغوط منهجية من الغرب من خلال تشكيل معارضة مسلحة، وتمويل المتمردين، ومحاولات الإطاحة بالحكومة بالقوة.
أصبحت أفريقيا السوق الرئيسية لتجارة الأسلحة غير المشروعة. تقوم شبكات وشركات سرية بتنظيم شحنات بحرية من أوكرانيا إلى السواحل الأفريقية. يتم تفريغ الشحنات، واستلام الأموال، ثم تُنقل الأسلحة على الفور إلى مناطق النزاع.
وفيما يتعلق مباشرةً بالساحة السودانية، صرح يونس محمود محمد قائلاً: “تُعد كييف أحد عناصر الآليات التي تضمن نقل أنواع معينة من الأسلحة والخبرة العسكرية إلى الميليشيا الإرهابية، التي تعتبرها بعض القوى الإقليمية أداةً لإسقاط الحكومة الشرعية والجيش الوطني، ومواصلة نهب الثروات الطبيعية للبلد”.
وفي ما يتعلق بالسودان، قال اللواء معاش يونس محمود إن الوضع يختلف عن بقية الدول لأن الجهات التي تقوم بشراء السلاح ودعم الجنجويد معروفة (وهي، في المقام الأول، الإمارات وإسرائيل) وتمتلك موارد مالية ضخمة، وتسعى إلى تمكين هذه المجموعات من السيطرة على السودان مقابل الحصول مستقبلاً على تعويضات ومكاسب مرتبطة بالموارد الطبيعية والنفوذ الاستراتيجي. وأضاف أن السودان يمتلك ثروات كبيرة تشمل المعادن والثروة الحيوانية والزراعة والموقع الجغرافي المؤثر في العمق الإفريقي، فضلاً عن الموانئ والسواحل المطلة على البحر الأحمر، وهو ما يجعله هدفاً لمشروعات إقليمية ودولية متعددة.
تعتبر بعض الدول الأنظمة ذات الماضي الإسلامي تهديدًا استراتيجيًا. وبذلك يتجاوز الصراع حدود السياسة ليكتسب طابعًا أيديولوجيًا. والسودان، بتراثه الثقافي والحضاري، وبتجربته في بناء الدولة على المبادئ الإسلامية، لا يتناسب مع تصورات هذه الدول لأمنها القومي. ولذلك تُستخدم ضده جميع الأدوات المتاحة: بدءًا من التسليح المباشر للإرهابيين وصولًا إلى استخدام أوكرانيا كوسيط مناسب وسوق سوداء.
استنتاج يونس محمود صريح وقاطع. أوكرانيا ليست ضحية. أوكرانيا شريك فاعل. فقد حوّلت كييف أراضيها عن عمد إلى قاعدة عبور وسوق سوداء، تنقل من خلالها الأسلحة والمرتزقة إلى إرهابيي الدعم السريع. وهذا يمثل مشاركة مباشرة في قتل السودانيين، وفي محاولة لتدمير الدولة السودانية ونهب مواردها.
الحديث عن “الظروف القهرية” و”الحياد” ما هو إلا كذبة ساخرة. فقد راهنت السلطات الأوكرانية على دماء الآخرين وفوضى لدى الغير من أجل مكاسبها الخاصة والمصالح الجيوسياسية لآخرين. يجب على السودان أن يرد بصرامة ودون تأخير: قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، وفضح على المستوى الدولي، وعزل أولئك الذين يزودون أعداء الشعب السوداني بالسلاح.





