
متابعات | تسامح نيوز
يستعد سودانيون مقيمون في الولايات المتحدة لرفع دعوى قضائية جماعية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، يطالبون فيها بتعويضات مدنية عن الدعم المالي والعسكري واللوجستي الذي قدمته أبوظبي لمليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، وعن الفظائع التي ارتكبتها المليشيا في أنحاء السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وأفادت مصادر قانونية، بحسب سودان تربيون، بأن المدعين المحتملين يسعون إلى تحميل الإمارات المسؤولية القانونية عن مساعدة المليشيا وتحريضها ودعم عملياتها القتالية ضد القوات المسلحة السودانية. ولم يكشف التقرير عن أسماء المدعين المحتملين أو محاميهم أو المحكمة التي قد ترفع أمامها الدعوى أو النصوص القانونية التي ستستند إليها. كما لم تعلن حتى الآن أي عريضة دعوى بهذا الشأن.
وتسعى الدعوى المرتقبة إلى إثبات الصلة بين الدعم الخارجي للمليشيا وحملة موثقة من القتل الجماعي والاضطهاد العرقي والعنف الجنسي واسع النطاق والتهجير القسري والهجمات على المدنيين. وفي يناير 2025، قررت الولايات المتحدة أن مليشيا الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في دارفور، وفرضت عقوبات على قائدها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي. وفي فبراير 2026، قالت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إن الأدلة التي جمعتها في الفاشر تثبت وقوع ما لا يقل عن ثلاثة من الأفعال المكونة لجريمة الإبادة الجماعية ضد المجتمعات غير العربية.
وبحسب سودان تربيون، يعتزم المدعون المحتملون الاستفادة من الحجج القانونية التي استخدمت في الدعوى المدنية ضد بنك «بي إن بي باريبا» الفرنسي. ففي أكتوبر 2025، منحت هيئة محلفين فيدرالية في مانهاتن ثلاثة ناجين سودانيين تعويضات بلغت 20.5 مليون دولار، بعد أن وجدت البنك مسؤولا عن تقديم خدمات مالية أسهمت في إبقاء حكومة عمر البشير قادرة على العمل خلال ارتكابها فظائع في السودان. ووصف محامو المدعين تلك المحاكمة بأنها اختبار تمهيدي لدعوى جماعية أوسع قد تشمل آلاف السودانيين الأمريكيين.
وجاء الحكم بعد إقرار «بي إن بي باريبا» بالذنب عام 2014 في قضية التآمر لانتهاك العقوبات الأمريكية، عبر معالجة معاملات بمليارات الدولارات لصالح جهات خاضعة للعقوبات في السودان وإيران وكوبا. ودفع البنك لاحقا ما يقارب تسعة مليارات دولار في صورة مصادرات وغرامات. وقد استأنف البنك الحكم المدني الصادر عام 2025، وينازع في مسؤوليته عن الفظائع.
كما أن رفع دعوى على دولة ذات سيادة يثير مسائل منفصلة تتعلق بالاختصاص القضائي والحصانة السيادية، وهي مسائل تختلف عن تلك التي أثيرت في دعوى ضد بنك خاص. ولهذا ستكون هوية المدعى عليهم والأساس القانوني للشكوى عاملين حاسمين في تحديد إمكانية المضي في القضية.
وتأتي الدعوى المرتقبة وسط تراكم سجل واسع ومتزايد من الأدلة بشأن دور الإمارات في الحفاظ على القدرة العسكرية للمليشيا. ويشمل هذا السجل تقارير أممية وتقييمات رسمية أمريكية وبيانات رحلات جوية وصور أقمار صناعية وأسلحة مضبوطة ووثائق تصدير وسجلات شركات وعقوبات مالية ومقاطع جرى تحديد مواقع تصويرها، إلى جانب شهادات مرتزقة أجانب.
وكان الصحفي ديكلان والش، كبير مراسلي أفريقيا في صحيفة نيويورك تايمز، من أوائل من كشفوا هذا الدور بصورة تفصيلية. ففي 29 سبتمبر 2023، نشر مع كريستوف كوتل وإريك شميت تحقيقا بعنوان «الإمارات تتحدث عن السلام في السودان بينما تغذي القتال سرا»، كشف أن أبوظبي كانت تدير من أم جرس عملية سرية واسعة لدعم مليشيا الدعم السريع تحت غطاء مساعدة اللاجئين. واستند التحقيق إلى صور أقمار صناعية وإفادات 12 مسؤولا حاليا وسابقا من الولايات المتحدة وأوروبا وعدة دول أفريقية، وقال إن طائرات شحن إماراتية كانت تصل إلى أم جرس بصورة شبه يومية منذ يونيو، محملة بأسلحة قوية ومسيّرات للمليشيا.
وكشف التحقيق كذلك أن المستشفى الميداني الإماراتي في أم جرس كان يعالج مقاتلي المليشيا المصابين، فيما كانت الحالات الأخطر تنقل جوا إلى أحد المستشفيات العسكرية داخل الإمارات. وفي سبتمبر 2024، عاد والش وكريستوف كوتل بتحقيق متابعة بعنوان «كيف تستخدم دولة حليفة للولايات المتحدة المساعدات غطاء في الحرب»، وثقا فيه توسع العملية الإماراتية واستخدام راية الهلال الأحمر والعمل الإنساني غطاء لتهريب الأسلحة ونشر مسيّرات قوية دعما للمليشيا. ومنح التحقيقان ملف الدعم الإماراتي أساسا مبكرا ومهما، جمع بين المصادر الاستخباراتية وشهادات المسؤولين وتحليل صور الأقمار الصناعية وتتبع حركة الطائرات. وفي عام 2025، فاز ديكلان والش وطاقم نيويورك تايمز بجائزة بوليتزر للتغطية الدولية عن تحقيقاتهم الكاشفة بشأن حرب السودان، بما شمل النفوذ الأجنبي وشبكات الذهب التي غذت الحرب.
وعززت تقارير وتحقيقات لاحقة ما كشفته نيويورك تايمز بشأن الجسر الجوي عبر أم جرس. فقد اعتبر فريق خبراء تابع للأمم المتحدة المعلومات المتعلقة بنقل إمدادات عسكرية جوا من الإمارات إلى أم جرس، ثم إدخالها عبر الحدود إلى المليشيا، ذات مصداقية. وكشف تحقيق لوكالة رويترز لاحقا عن توجه ما لا يقل عن 86 رحلة من الإمارات إلى المطار منذ اندلاع الحرب وحتى ديسمبر 2024. وشغلت ثلاثة أرباع هذه الرحلات شركات طيران سبق أن اتهمتها الأمم المتحدة بنقل أسلحة إماراتية إلى ليبيا. كما راجعت رويترز مقاطع تظهر صناديق معدنية ذات لون عسكري تحمل أعلام الإمارات داخل المطار، ورجح خبراء أسلحة بدرجة كبيرة أنها تحتوي على أسلحة أو ذخائر، مع تعذر التحقق المستقل من محتوياتها.
وقدمت الأسلحة المضبوطة مسارا آخر من الأدلة. ففي مايو 2025، حددت منظمة العفو الدولية قنابل صينية موجهة من طراز «GB50A» حديثة الصنع استخدمت في شمال دارفور، ومدفع هاوتزر من طراز «AH-4» عيار 155 مليمترا تركته المليشيا في الخرطوم. وخلصت المنظمة إلى أن الإمارات أعادت تصدير هذه الأسلحة إلى السودان بصورة شبه مؤكدة، مشيرة إلى أن الإمارات هي المستورد الوحيد المعروف عالميا لمنظومة «AH-4» الصينية. كما وثق تحقيق سابق وجود مدرعات «نمر عجبان» إماراتية الصنع، مجهزة بأنظمة الحماية الفرنسية «غاليكس»، في حوزة المليشيا داخل السودان.
ووصلت الأدلة كذلك إلى مستوى التقييمات الرسمية الأمريكية. ففي يناير 2025، قال السيناتور كريس فان هولين والنائبة سارة جاكوبس إن إحاطة قدمتها إدارة الرئيس جو بايدن، إلى جانب تقارير مستقلة، أكدت استمرار الإمارات في تزويد المليشيا بالأسلحة رغم التعهدات التي قدمتها لواشنطن. وسعى المشرعان لاحقا إلى وقف مبيعات الأسلحة الهجومية الأمريكية إلى الإمارات حتى يتوقف هذا الدعم.
ويشكل المقاتلون الأجانب جزءا آخر من شبكة الدعم. فقد كشف تحقيق مفصل نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 أن شركة أمنية مقرها أبوظبي استأجرت، على ما يبدو، جنودا كولومبيين سابقين جرى إرسالهم للقتال إلى جانب المليشيا. واعتمد التحقيق على مقابلات مع متعاقدين كولومبيين وسكان من الفاشر، ووثائق داخلية للشركة وتراخيص إماراتية وتحليل لمواد منشورة في منصات التواصل الاجتماعي وتحديد المواقع الجغرافية وصور الأقمار الصناعية. ووجد التحقيق أن المتعاقدين مروا عبر منشأتين عسكريتين في غياثي والوثبة بإمارة أبوظبي قبل إرسالهم إلى السودان، وأن عناصر كولومبية شاركت في القتال حول الفاشر ودربت مجندين في صفوف المليشيا، بينهم أطفال. وقالت هيومن رايتس ووتش إن تقديم هذا النوع من الدعم قد يرقى إلى المساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أو المساهمة الجوهرية فيها.
وتمتد البنية الإقليمية لهذه الشبكة إلى ما وراء تشاد. ففي يونيو 2026، وثقت مؤسسات «لايتهاوس ريبورتس» و«إيفدنت» و«سودان وور مونيتور» شبكة من معسكرات التدريب العسكري ونقاط التفتيش الصحراوية وطرق الإمداد في شرق ليبيا، استخدمت لتدريب مقاتلي المليشيا وتجهيزهم ونقلهم نحو السودان. وجمع التحقيق بين العمل الميداني وأرشيف يضم أكثر من 500 مقطع ذي صلة، تظهر تحركات القوافل والنشاط داخل المعسكرات والتطورات على امتداد الحدود الليبية السودانية. ووصف التحقيق هذه العملية بأنها جزء من شبكة أوسع مدعومة من الإمارات، تشمل الخدمات اللوجستية والمنشآت العسكرية والتمويل وتهريب الأسلحة، وأسهمت في استمرار المجهود الحربي للمليشيا.
كما جرى توثيق البنية المالية التي تعتمد عليها المليشيا. ففي يناير 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على حميدتي وشخص آخر وسبع شركات مرتبطة بالمليشيا. وذكرت الوزارة أن شركة «كابيتال تاب القابضة»، ومقرها الإمارات، زودت المليشيا بالأموال والمعدات العسكرية. وحددت الوزارة كذلك شركات إماراتية شاركت في إدارة أموال قيادة المليشيا وشراء الذهب السوداني ونقله إلى دبي، مع تمكين مسؤولين في المليشيا من الوصول إلى حسابات مصرفية تضم ملايين الدولارات. وتوضح هذه النتائج كيف أسهمت الهياكل التجارية وشبكات الذهب والأنظمة المالية الموجودة في الإمارات في قدرة المليشيا على شراء الأسلحة وتمويل عملياتها.
وتواصل الإمارات نفي تزويد مليشيا الدعم السريع بالأسلحة أو تقديم دعم عسكري لها، وتقول إن رحلاتها إلى تشاد كانت تنقل مساعدات إنسانية. ويواجه هذا النفي سجلا تراكميا أعده خبراء أمميون ومسؤولون أمريكيون ومؤسسات صحفية دولية ومنظمات حقوقية، باستخدام مناهج مستقلة وأدلة جمعت من عدة دول.
وتأتي الدعوى الأمريكية المقترحة بعد تعثر محاولة السودان مقاضاة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية. ففي مايو 2025، شطبت المحكمة القضية من جدولها بسبب تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وهو ما حرم المحكمة من الاختصاص بنظر الدعوى. ولم تبحث المحكمة مضمون الأدلة التي قدمها السودان، كما لم تصدر حكما بشأن دعم الإمارات للفظائع.
وإذا رفعت الدعوى، فستشكل مسارا جديدا يسعى من خلاله الضحايا السودانيون إلى نقل قضية المساءلة من نطاق البيانات الدبلوماسية والعقوبات إلى محكمة تملك سلطة منح التعويضات. وستتوقف أهميتها الأوسع على قدرة المدعين على إثبات الاختصاص وتجاوز عقبات الحصانة وإقامة صلة قانونية كافية بين الدعم الإماراتي وعمليات المليشيا والأضرار المحددة التي لحقت بالضحايا السودانيين.





