أخبار

د. ياسر محجوب الحسين: التريند.. الأنين محتوى استهلاكي

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في زمن أصبح فيه “التريند” – ذلك المصطلح الذي يعني ببساطة الموضوع أو الفيديو الذي ينتشر بسرعة هائلة على وسائل التواصل الاجتماعي، مدفوعاً بالتفاعل الجماعي من إعجابات ومشاركات وتعليقات – أولوية مطلقة، يتحول الأنين البشري إلى مادة خام للاستهلاك الرقمي. سباق محموم نحو السبق الافتراضي، يستغل لحظات الضعف والكوارث لتحقيق مكاسب شخصية أو تجارية، ويُشكّل شرخاً عميقاً في جدار الإنسانية.

هذا الطغيان ليس مجرد سقطة ذوقية عابرة، بل تجاوز أخلاقي مرفوض من كل المرجعيات. القوانين الوضعية تجرم الامتناع عن الإغاثة لمن يستطيع المساعدة في حالة خطر حقيقي، وتضع ضوابط صارمة لحماية الخصوصية وحرمة الجسد. أما الشرائع الدينية فتُقدّم حفظ النفس على كل شيء، وتجعل إغاثة الملهوف واجباً عينياً يسبق أي توثيق أو إخبار. والحس الإنساني السوي يدرك فطرياً أن “الألم ليس مادة للعرض”، وأن كرامة الضحية تفوق فضول المشاهد.

يبرز هذا التناقض بوضوح في توثيق الكوارث. لا شك أن التوثيق أداة مهمة للمساءلة الدولية وحشد الإغاثة، لكن الضابط الأخلاقي يجب أن يكون واضحاً: نوثق الحدث لا الوجع. يمكن تصوير الركام والدمار البيئي لنقل الصورة دون انتهاك خصوصية المصابين أو تصويرهم في لحظات عجزهم. قاعدة “المسعف أولاً” يجب أن تتحكم: فور رؤية خطر على أرواح، تتحول الكاميرا من أداة للنشر إلى وسيلة للنجدة.

لكن الواقع يشهد العكس. العدسة التي ترى في الإنسان مجرد “محتوى” أصبحت عمياء عن الحقيقة. هذا الطغيان جزء أصيل من أزمة أوسع تعانيها وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تفوق الإعلام المؤسسي في التأثير، لكنها تفتقر إلى الضوابط المهنية والأخلاقية. الإعلام التقليدي، رغم عيوبه، يخضع لمعايير تحريرية ومسؤولية قانونية، بينما أصبحت المنصات الرقمية مصنعاً للإثارة الرخيصة التي تُكافئ الانتهاك بالخوارزميات.

الحل يبدأ بدليل أخلاقي رقمي واضح: لا أولوية للسبق إذا أعاق النشر الإنقاذ أو أحدث صدمة لذوي الضحايا. يُطمس معالم الوجوه والإصابات البليغة عند الضرورة، ويُكفّ المتابعون عن “الإعجاب” بالمحتوى الذي ينتهك الكرامة، لأن المشاهد هو الممول الحقيقي لهذه الظاهرة.

القيمة الحقيقية للتكنولوجيا ليست في وصف ضياع الحياة، بل في حمايتها. آن الأوان لنستعيد إنسانيتنا من طغيان التريند، قبل أن يبتلعنا الفراغ الأخلاقي الذي نُساهم في صناعته بكل نقرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى