أخبار

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٩)

متابعات | تسامح نيوز 

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٩)

د. ياسر محجوب

ما تزال الأمواج الناعمة تلامس رمال شاطئ الصحافة السودانية، منقبةً عن صفات من ذهب، تكشف عن أيقونات أثرت في نسيج المهنة، وتعزز رسالتها كحارس أمين للذاكرة الوطنية والوعي الجماعي. وفي هذه الحلقة التاسعة من “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”، نستقبل ثلاثة رموز تجسدت فيهم براعة الكلمة والإصرار: فارس الارتجال الذي يجمع بين ناصية القلم واللسان كسيمفونية متناغمة، وصوت الصدق الذي يبني قصور الحقيقة من أحجار الدقة والدهاء، وقامة الدينامو الذي يحرس بوابة التحرير بإخلاص يضيء الدرب. هي حلقة عن أبطال لم يكونوا مجرد راكبي أمواج، بل كانوا مصدر المد والجزر نفسه، شكلوا التيار بأيديهم، ونقشوا بصماتهم في الرمال والتاريخ.

 

إمام محمد إمام

صحفي مخضرم، امتلك ناصية الارتجال كما امتلك ناصية القلم، فكأنه فارس يجيد السيطرة على جواده الجامح في ميدان الكلام. إن ما يكتبه بالقلم يحظى بمساحة زمنية واسعة للمراجعة والتدقيق، أما قدرته على الارتجال فتوازي نصاً مكتوباً بعناية فائقة، خضع للمراجعة والتسديد والتقريب، كأن الكلمات تنساب من لسانه كجدول هادئ يعكس صفاء الفكر. بل إن ما يرتجله في أي محفل، مهما كان مهيباً كجبل شاهق، فكأنما كتبه وأعده مسبقاً وراجعه بدقة متناهية، حتى يبدو كلوحة فنية مكتملة الألوان.

ظلت الأسئلة التي يطرحها في المؤتمرات الصحفية أقرب إلى المداخلات الفكرية العميقة، كأنها أنهار تفيض بالأفكار الثرية، ورغم ضيق ذرع المؤتمرات الصحفية بمثل هذه المداخلات وفق طبيعتها السريعة كريح عابرة، إلا أن حديث إمام كان يجد آذاناً صاغية دائماً، كأرض خصبة تستقبل المطر المنعش.

د ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٩)

عمل إمام لنحو عقدين من الزمن في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، واكتسب في عاصمة الضباب، بالإضافة إلى الخبرة الصحفية الواسعة كبحر لا ساحل له، ناصية اللغة الإنجليزية التي أصبحت له كسيف في غمده.

درس في جامعة الخرطوم كلية الآداب، متزامناً مع دراسته في معهد الموسيقى والمسرح، كأنه يجمع بين عالم الكلمات والألحان في سيمفونية متناغمة. عُيّن مساعد تدريس في جامعة الخرطوم، ثم بعث للدراسات العليا، وعمل محاضراً في كلية الإعلام بجامعة “سيتي” بلندن.

عاد إلى السودان وترأس صحيفة “التغيير”، ثم انتقل إلى التدريس الجامعي في جامعات السودان، مزوداً طلاب الإعلام بخلاصة تجمع بين النظرية والتطبيق العملي، كأنه يزرع بذور المعرفة في عقول تنبت ثماراً يانعة.

على المستوى الاجتماعي، ظل إمام صاحب طرفة لا تمل المجالس من حديثه، كأنه نبع لا ينضب من الحكايات الممتعة، ويُفتقد إن غاب لسبب ما كالشمس في يوم غائم.

وهو صاحب فكرة تجمع “الرسلاء” الاجتماعي، وهي كلمة يقصد بها الصحفيين، يخاطب بها زملاءه الصحفيين. هذه المفردة، التي قد تكون مشتقة من “رسول” مع إضافة لاحقة تعزز الجمع والتخصيص، تدل على ذخيرته المعرفية الواسعة كمكتبة غنية بالكنوز، إذ ترمز إلى دور الصحفي كرسول للحقيقة والمعرفة، مما يعضد مفهوم الصحافة كرسالة نبيلة تنقل الخبر كالرسول الذي يحمل الأمانة بصدق وأمان. يدير مجموعة واتساب باسم “الإعلام مرآة الشعوب” تضم طيفا واسعا من الصحفيين والعلماء والمفكرين من كل لون.

 

النور أحمد النور

حذام العصر، صوت الصدق في زمن الضجيج.. في عالم الصحافة الجادة، حيث يُبنى الخبر كقصر من الحقائق المكتملة الأركان، يبدو أن صرامة الاخبار والتقارير الصحفية قد استمدت جوهرها من النور. صرامةٌ نحتتها يدُ الجدية والصدقية، في إعداد الأخبار والتقارير، فكأنما كل سطر من سطوره درعٌ من الدقة، يحمي الحقيقة من رياح الشك.

ظل النور، المخبر الصحفي الأول الأكثر سبقا ودهاءً، يتقن فن بناء المصادر من كل اتجاه ومن كل لون سياسي أو اجتماعي، يكسب ثقتها بسرعة البرق، فتتدفق إليه الأسرار كالأنهار إلى البحر. لذا، تتميز أخباره وتقاريره بموثوقيةٍ شاهقة، كل إنتاجه الصحفي موضوعيٌّ محصنٌ بالمعايير المهنية العليا، غير قابل للنفي أو التشكيك. وعندما ينشر خبراً، يتجسد فيه المثلان الخالدان: “رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ”، و”إذا قالت حذام فصدقوها، فالقول ما قالت حذام”، فكأنه حذام العصر، ينطق بالحقيقة التي لا تُرد.

وكان جديراً به أن يصبح مراسلاً لسنوات طويلة في صحيفة لندنية عريقة كـ”الحياة”، ينقل نبض الأحداث في السودان بأمانةٍ لا تُخدش. يعشق العمل في صمتٍ دؤوب، متواضعاً بحجم إنجازه الضخم الذي امتد على مدى ثلاثة عقود، رئيس تحرير لعدد من الصحف الكبرى، بدأ مسيرته وهو طالب يدرس الصحافة والإعلام – زميل دفعة نعتز به – قائداً في الصحافة الطلابية، يجمع بين حماس الشباب وصرامة العلم. ورغم انغماسه في النشاط الصحفي، كان مبرزاً أكاديمياً، من القلائل الذين يوفقون بين عوالم الإبداع الطلابي والتفوق الدراسي، كالنجم الذي يضيء في سماء مزدحمة.

صبر كثيراً على المضايقات الأمنية التي بلغت ذروتها بإقالته من رئاسة تحرير صحيفة “الصحافة” بقرار أمني قاس، لكنه ظل صامداً كالجبل، يدافع عن حرية الكلمة بصمته المدوي.

 

ياسر علي الطاهر

ياسر الطاهر دينامو غرفة الأخبار، حارس بوابة الصحافة الأمين.. في رحاب الصحافة السودانية، حيث تتصارع الكلمات والحقائق كسيوف في معركة الصدق، يبرز ياسر علي الطاهر كأفضل من يشغل موقع سكرتير التحرير، مزدانا بالدقة والالتزام كعنوان لشخصيته النبيلة، التي تتألق بأخلاق عالية كالنجوم في سماء الليل الدامس.

يستطيع أي رئيس تحرير يعمل إلى جانبه ياسر أن يثق فيه ثقةً عمياء، فيظل ظهره آمنا كحصن محصن أثناء غيابه وسفره، مطمئنا إلى أن عجلة التحرير تدور بسلاسة تحت إشرافه اليقظ. إن سكرتير التحرير هو “دينامو” غرفة الأخبار، والمحرك الفني الذي ينفخ الروح في جسد الصحيفة؛ فهو الذي يتولى توزيع المحتوى كفنان يرسم لوحة متناسقة، وتصميم الصفحات كمهندس يبني قصورا من الحروف والصور.

وتكمن أهميته في كونه حلقة الوصل الحيوية بين عوالم التحرير والإخراج، وضابط إيقاع العمل اليومي الذي يضمن جودة الإنتاج كساعة دقيقة لا تخطئ. أما خطورة موقعه، فتنبع من أنه حارس البوابة الأكثر تأثيرا وحرجا؛ إذ إن أي خطأ مهني أو لغوي يفلت من حاسته الصحفية قد ينسف مصداقية المؤسسة كعاصفة تهدم بناءً شاهقا، أو يورطها في متاهات قانونية كشباك عنكبوت.

وقد ملأ ياسر الطاهر وهو اسم على مسمى هذا الموقع بجدارةٍ تفوق الوصف، وأشهد على ذلك بنفسي، إذ عمل معي سكرتيرًا للتحرير إبان رئاستي لتحرير اثنتين من الصحف السودانية الكبرى، فكان سندا لا يتزعزع، ونورا يضيء دروب المهنة بإخلاصه اللامتناهي.

ونواصل بإذن الله تعالى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى