
متابعات | تسامح نيوز
لم يكن التحذير من انفلات أمني محتمل في الخرطوم وأم درمان ضربا من التشاؤم، بل قراءة مباشرة لمعطيات واقع لم تكتمل فيه بعد شروط الاستقرار. الجريمة البشعة التي أودت بحياة الشاب أشرف بدر الدين في ود نوباوي، عقب محاولة سرقة هاتفه تحت تهديد السلاح، جاءت لتؤكد أن الخطر لم يعد محصورا في “الشفشفة” والاعتداء على الممتلكات، بل تجاوز ذلك إلى تهديد الأرواح في وضح الليل وها هي (تسعة طويلة) تمد لسانها طويلا. وسؤال: هل سمع وزير الداخلية بالحادثة وهل استفسر منه رئيس الوزراء وهل كلف أحدهما بالسؤال عن أسرة الضحية ومواساتها وزيارتها؟.
هذه الحادثة ليست مجرد واقعة جنائية معزولة، بل مؤشر مقلق على تحول نوعي في طبيعة الجرائم، من السلب الصامت إلى العنف المسلح المباشر. وهو تحول يعكس بيئة رخوة أمنيا، يجد فيها الجناة الجرأة على استخدام السلاح دون خشية من الردع أو الملاحقة الفورية. وهنا تتجلى خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد، حيث يتقاطع ضعف الانتشار الأمني مع تزايد الحاجة المجتمعية للحماية.
لقد سبقت الإشارة إلى أن عودة المواطنين إلى ديارهم، رغم أهميتها في كسر حالة الفراغ، لا يمكن أن تتم بمعزل عن ضمانات حقيقية للأمن. فالمواطن الذي نجا من ويلات الحرب لا يمكن أن يطلب منه مواجهة مخاطر جديدة في بيته وحيه. ومثل هذه الحوادث تقوض الثقة في البيئة الحضرية، وتبعث برسائل سلبية للنازحين واللاجئين الذين يراقبون المشهد قبل اتخاذ قرار العودة.
إن الدول التي واجهت ظروفا مشابهة لم تبدأ بإعادة الإعمار من الحجر، بل من فرض القانون. فالأمن ليس بندا ثانويا في الموازنة، بل هو الأساس الذي تبنى عليه كل أولويات الدولة الأخرى. وفي الحالة السودانية، يصبح توجيه الموارد نحو دعم الأجهزة الأمنية، تدريبا وتسليحا وانتشارا، ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
كما أن التعامل مع هذه الظواهر يتطلب ما هو أبعد من الحلول التقليدية، عبر بناء منظومة أمنية متكاملة تشمل العمل الاستخباراتي، والوجود الشرطي الفعال، والتنسيق مع المجتمع المحلي والمقاومة الشعبية الباسلة. فالأمن لا يفرض فقط بالقوة، بل يصان أيضا بالشراكة والثقة.
حادثة ود نوباوي يجب ألا تمر كخبر عابر في دورة الأخبار، بل ينبغي أن تقرأ كجرس إنذار. فالسكوت على هذا المسار يعني فتح الباب لمزيد من التدهور، بينما التحرك الحاسم يعيد ضبط المعادلة لصالح الاستقرار.
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل الأمن عن فكرة العودة، ولا عن مشروع التعافي الوطني بأكمله. فحين يصبح الرصاص هو اللغة السائدة في الشوارع، تتراجع كل اللغات الأخرى: لغة البناء، ولغة الأمل، وحتى لغة الحياة نفسها.





