أخبار

عزمي عبد الرازق يكتب وداعا النمير  

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

رحم الله الأخ والصديق عمر النمير، ما كان كثيراً على ربه، وهو حال الدنيا، تجور وتعدل، تجمع وتفرّق، تفرح وتحزن. ولطالما كانت جلساتنا كلها معه ممتلئة بالفرح، عشرات السنين وذكريات يصعب، يستحيل، أن يغمض عليها جفن ويطويها النسيان، وهو في كل تصاريف الحياة، لم يتغير أو تبدله عارضات الأيام، بذات الطلاقة والصفاء.

كان عمر، منذ عرفته وحتى آخر يوم زرته فيه، يكره الاستلقاء، بشوشاً كريماً، مقداما، مبذولاً للأخرين، منفقاً على اليتامى والمرضى، واصلاً للبعيد والقريب.

بعد أن تدهورت حالته الصحية ودخل المستشفى، كنت أحرص على الاطمئنان عليه يومياً، ولكن متى القلب في الخفقان اطمأن؟ وعندما لا أريد أن أثقل عليه، كنت أبعث إليه برسالة على رقم خاص كان قد خصّني به في المرة الأخيرة، في الغرفة ٥٠٦ في مستشفى السلام بالمعادي.

فرحت كثيرا يوم الثلاثاء الماضي، حين بدأت حالته تستقر ويستعيد شيئاً من عافيته، وقرر الأطباء خروجه من المستشفى وانتقاله إلى مكان هادئ يستكمل فيه رحلة الشفاء. واتفقنا، أنا وبعض أصدقائه، على أن نتواصل معه عن بُعد، حتى يسترد عافيته تماماً، لكنني لم أكن أعلم، ولو للحظة، أنني لن أراه مرة أخرى، وأن آخر زيارة هى زيارة الوداع.

قلت للأخ بكري إلياس إن هذا الانقطاع عن عمر مزعج، وإن علينا أن نذهب إليه. وافترقنا فجر اليوم الجمعة، بعد أن اقترح علينا بكري أن نصلي الصبح في مسجد السيدة نفيسة، ثم نتوجه لزيارة صديقنا المفقود، الحاضر دائماً في الخاطر، في القلب، وفي تفاصيل الحياة، والأيام الخوالي.

بعثت له اليوم رسالة على هاتفه، لكنه لم يجب، أخر ظهور قبل عشرة ساعات، لا لا، أظن أنه مرهق قليلاً، وحتماً سيعاد الاتصال بي، كما عودني مؤخراً، أو يبعث برسالة ” أنا بخير والحمد لله” فمن يقاوم الألم مثله، المحارب الصبور، وتطل صورته فجأة، صوته يرن، ثمة قلق، ماله عمر؟ الرجل الكريم البشوش، الطيب النبيل، أخو الأخوان، المقدام، الخيّر، المحسن حياه الغمام، ذلك الذي كانت له في حياة الناس فعال وخُلق، مساحات واسعة من المودة. حاولت هاتف مرافقه وليد، لا يجيب، اتصلت على بكري في الوقت المعتاد الذي كنت أسأل فيه عن حال عمر: كيف أصبح وكيف أمسى؟ جاءني صوته باكياً، مفجوعًا: «إنا لله وإنا إليه راجعون».

أهكذا نموت وتنقضي أحلامنا؟ أهكذا ينطفئ فجأة صوت اعتدنا عليه، ووجه ألفناه، وصديق ظننا أننا سوف نحظى به؟ بمواقفه وشجاعته ونجاحاته، بلطفه وسماحته، وبما تركه في نفوس من عرفوه، كان شخصية متفرّدة، عصية على العبور السهل، وعصيّة على الغياب. وسيظل حاضراً في مجالسنا، في حكاياتنا، وفي كل التفاصيل التي لا يعرف قيمتها إلا من عرفه.

أعلم أن المقام ليس مقام رثاء، ولا هو مقام بكاء، المقام مقام دعاء. فنحن، في هذه الجمعة الحزينة، لا نملك إلا أن نرفع الأكف إلى الله، وأن نستودعه روح أخينا وصديقنا عمر، سائلين له الرحمة والمغفرة.. اللهم ارحمه رحمةً واسعة، واغفر له، واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب، واجعل ما قدّم من خير وطيب أثر، وما زرعه من محبة في قلوب الناس، شفيعاً له يوم يلقاك. اللهم اربط على قلوب زوجه وأهله وأصدقائه ومحبيه، وأنزل عليهم صبراً وسكينة، وألهمهم جميل الصبر وحسن العزاء.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى