
معيار التضخم.. قياسات (مضروبة).. ماذا قال الخبراء!!
د.هيثم فتحي: انخفاض التضخم على وسائل الإعلام فقط
د.الناير: على جهاز الاحصاء إعادة النظر في طريقة قياس التضخم
د.مرتضى خضر : هنالك نقاط ضعف في الفجوات المنهجية والمخاطر الإحصائية
تقرير – رحاب عبدالله
ارتفع معدل التغير الشهري لأسعار المستهلك لشهر مارس بنسبة 3.40% اما معدل التضخم السنوي لشهر مارس 2026م فقد ارتفع بمعدل 40.22%عن شهر مارس للعام السابق.
ونسبة التضخم المرتفعة في البلاد، تعود بشكل رئيس إلى تدهور سعر صرف العملة المحلية (الجنيه)، إلى متوسط 3500 جنيه مقابل الدولار الواحد، وسط تذبذب في وفرة النقد الأجنبي.
*معيار لا يعطي الحقيقة*
ويرى الخبير الاقتصاي .محمد الناير ان معدل التضخم وفقا للتقارير الصادرة من الجهاز المركزي للإحصاء 40.22% لشهر مارس 2026 مقارنة بمارس 2025، ورأى الناير ان هذا المعيار أصبح لا يعطي رؤية حقيقية بحيث ان معدل التضخم مرتفع بصورة كبيرة ،
منوها ان هنالك اشياء كثيرة أثرت في شهر مارس منها ارتفاع اسعار البترول بصورة كبيرة وفرض رسوم وضرائب، ولكن لا نجد هذا التأثير بصورة أساسية في تقرير الجهاز المركزي للإحصاء وأشار الناير لاهمية إعادة النظر الجهاز المركزي للاحصاء في حساب معدل التضخم ويقيس الارتفاع قياسا أو مقارنة بالشهر الماضي وأن لا يعتمد النظام السنوي للقياس بنفس الشهر من العام الماضي ويقيس بالشهر السابق من نفس العام مثلا فبراير 2025، ونوه لاهمية ان تكون هنالك رؤية حقيقية ويعطي معدلات مناسبة ويوضح كيفية قياس التضخم في مناطق سيطرة التمرد .
نقاط قوة
وتعليقا على بيانات مارس 2026 الصادرة من الجهاز المركزى للإحصاء،يقول د. مرتضى خضر محمد ابوزيد
مستشار أعمال وأستاذ إدارة مالية وتخطيط استراتيجى.
ان هنالك نقاط قوة اوضحها التقرير متمثلة في الصمود المؤسسي والامتثال للمعاير الدولية ، مبينا انه رغم التحديات الهيكلية في مفاصل الدولة، يظهر الملف المرفق نقاط قوة لا يمكن إغفالها، واعتبرها تعكس مهنية الكادر الإحصائي السوداني، مشيرا الى ان التقرير يتميز بالشفافية في المنهجية حيث يخصص التقرير ملحقاً كاملاً (الصفحات 15-18) لشرح كيفية تركيب الرقم القياسي، وسنة الأساس، والمعادلات المستخدمة، ودورية جمع البيانات، مما يمنح المحللين الدوليين القدرة على تقييم هامش الخطأ.
مضيفا ان التقرير قدم بيانات منفصلة للمناطق الحضرية والريفية، وهو أمر بالغ الأهمية في السودان حيث تختلف ديناميكيات العرض والطلب بشكل جذري بين المدن التي تعتمد على الاستيراد والأرياف التي قد تمتلك بعض الإنتاج المعيشي.
واشاد بالرصد الشهري المتصل ونجاح الجهاز في إصدار تقارير شهرية دون انقطاع منذ بداية الحرب يعد إنجازاً لوجستياً فريداً، حيث يوفر سلسلة زمنية تمكن من رصد “منعطفات” الأزمة، مثل التحول الذي حدث في منتصف عام 2025.
واكد ان تصنيف التضخم (أساسي، مستورد، أغذية)وقيام التقرير بحساب التضخم الأساسي (الذي يستبعد السلع المتقلبة) وتضخم السلع المستوردة يساعد في فهم أثر “انتقال سعر الصرف” (Exchange Rate Pass-through) إلى الأسعار المحلية.
واشار لتوفر الاستجابة الميدانية من خلال توظيف فرق عمل ميدانية تتألف من 4-6 باحثين في كل ولاية لجمع الأسعار من 62 سوقاً وعده يؤكد أن الأرقام ليست مجرد تقديرات مكتبية، بل لها أصل في التعاملات اليومية للأسواق.
نقاط ضعف
غير ان د.مرتضى رأى ايضا هنالك نقاط ضعف متمثلة في الفجوات المنهجية والمخاطر الإحصائية مبينا انها تكمن في الملف المرفق في التحديات الهيكلية التي تتجاوز قدرة الجهاز الفنية، بالإضافة إلى بعض الممارسات الإحصائية التقليدية التي لم تعد تناسب “اقتصاد الحرب”: منها تقادم الأوزان الترجيحية والاعتماد على مسح نفقات ودخل الأسرة لعام 2007 لتحديد أوزان السلع هو نقطة ضعف جوهرية. منبها انه في عام 2026، تغيرت “سلة المستهلك” السوداني تماماً؛ فالسلع التي كانت تعتبر ثانوية في 2007 (مثل كروت شحن الإنترنت أو مياه الشرب المعبأة) أصبحت الآن من الضروريات الحاكمة، بينما تراجعت حصص الأثاث والترويح، وراى هذا التقادم يؤدي إلى عدم دقة في الرقم القياسي العام، كما رأى ان
تأثير سنة الأساس الإحصائي المخادع وتراجع معدل التضخم السنوي إلى 40.22% قد يقرأ كنجاح في لجم الأسعار، بينما هو في الحقيقة يعكس وصول الأسعار إلى سقف مرتفع جداً في مارس 2025 (Index Points: 441121) جعل أي زيادة إضافية تظهر كنسبة مئوية صغيرة، مضيفا ان المواطن يعاني من “التضخم التراكمي” وليس من “المعدل السنوي” اللحظي.
ورأى من نقاط الضعف إهمال السوق الموازي للعملات حيث لا يتطرق التقرير بشكل كافٍ لآلية تسعير السلع المستوردة بناءً على سعر الصرف في السوق الموازي الذي تجاوز 3500 جنيه مقابل الدولار، بينما تظل البنوك التجارية عند مستويات أقل بكثير (2400 جنيه) ورأى ان هذا الانفصام يخلق “تضخماً مستتراً” يظهر في ندرة السلع وليس فقط في سعرها.
واشار للافتقار للبيانات التكرارية في مناطق النزاع: والاعتماد على جمع أسعار الخضر والفاكهة 4 مرات شهرياً وبقية السلع مرة واحدة قد يكون كافياً في الأوقات العادية، ولكن في ظل الحرب، قد تتضاعف الأسعار في يوم واحد نتيجة إغلاق جسر أو طريق إمداد، مما يجعل الرصد الشهري “متأخراً” عن الواقع اللحظي، وانتقد غياب تحليل أثر التمويل بالعجز حيث لا يربط التقرير بين ارتفاع الأسعار وبين السياسة النقدية التوسعية التي تتبعها الحكومة لتمويل الحرب، حيث تشير التقارير الدولية إلى نمو الكتلة النقدية (M2) بنسبة 653% بين 2023 و2025.
واوضح د.مرتضى ان المقارنة بين بيانات الجهاز المركزي للإحصاء وتقارير المؤسسات الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) تمثل أداة حيوية للتحقق من مصداقية الأرقام الرسمية وفهم الفجوات التحليلية.
التوقعات المستقبلية (Outlook)
وقال د. مرتضى ان كافة الدلائل الاقتصادية تشير إلى أن السودان يتجه نحو “فخ Stagflation” (ركود تضخمي) طويل الأمد، حيث تجتمع معدلات البطالة المرتفعة (تجاوزت 47-60%) مع تضخم مرتفع ومستمر. إن أي محاولة مستقبلية للتعافي ستصطدم بالكتلة النقدية الهائلة التي طُبعت خلال سنوات الحرب، مما يعني أن استقرار الأسعار سيتطلب إجراءات نقدية قاسية قد تشمل تغيير العملة أو اتباع نظام “مجلس النقد” (Currency Board) كما يقترح بعض الخبراء الدوليين.
التوصيات لصناع القرار والمحللين
وحذر من الأرقام المطلقة وشدد على ضرورة عدم استخدام رقم 40.22% كمؤشر على تحسن الوضع الاقتصادي؛ فالخطر الحقيقي يكمن في “تضخم الأغذية” المستقر فوق 50% وفي “تضخم الاتصالات والتعليم” الذي يتجاوز 100%.
تكامل مصادر البيانات: يوصى بدمج بيانات الجهاز المركزي للإحصاء مع تقارير “مراقبة الأسواق” (SPAMS) التابعة لمعهد أبحاث السياسات الغذائية (IFPRI) وبرنامج الأغذية العالمي للحصول على صورة أدق عن أسعار السلع في مناطق الحصار.

إعادة تقييم سنة الأساس: من الضروري البدء في التخطيط لمسح استهلاكي جديد بمجرد توفر الحد الأدنى من الاستقرار لتصحيح الأوزان الإنفاقية، حيث أن السودان الحالي يختلف اقتصادياً وجغرافياً عن سودان 2007.
مراقبة نمو الكتلة النقدية: إن التضخم في السودان هو “ظاهرة نقدية” بامتياز؛ لذا فإن متابعة تقارير البنك المركزي حول نمو (M1) و (M2) هي المفتاح الحقيقي للتنبؤ بموجات التضخم القادمة، بعيداً عن تقلبات الأسعار الموسمية
.دعم الشفافية الإحصائية: يجب دعم استقلالية الجهاز المركزي للإحصاء لضمان استمرار صدور هذه التقارير، فهي الأداة الوحيدة المتبقية لقياس حجم المشكلة الاقتصادية ووضع خطط الإعمار المستقبلية بناءً على سلاسل زمنية موثقة.
يعود التباين بين معدل التضخم الإحصائي المعلن (40.22%) وما يشعر به المواطن في الواقع الميداني إلى مجموعة من الأسباب الفنية والاقتصادية المرتبطة بطبيعة حساب المؤشرات واقتصاد الحرب:
– – تأثير سنة الأساس (Base Effect): يُحسب التضخم السنوي بمقارنة أسعار مارس 2026 بأسعار مارس 2025؛ وبما أن الأسعار في مارس 2025 كانت قد وصلت بالفعل إلى مستويات قياسية وعالية جداً نتيجة صدمة الحرب، فإن أي زيادة إضافية تظهر كنسبة مئوية “أقل” إحصائياً، رغم أن السعر الفعلي للسلعة يظل في أعلى مستوياته التاريخية.
– التضخم التراكمي مقابل معدل التغير: ما يحسه الجمهور هو “التضخم التراكمي” (أي مجموع الزيادات منذ أبريل 2023)، والذي تجاوز في بعض السلع 300% إلى 400%.أما الرقم 40% فهو يرصد فقط “سرعة الزيادة” خلال العام الأخير، ولا يعني إطلاقاً انخفاض الأسعار أو عودتها لما كانت عليه.

– تركز الإنفاق على الضروريات: يشمل الرقم القياسي 663 سلعة وخدمة، لكن المواطن يوجه حالياً جلّ دخله (أكثر من 80%) نحو الغذاء والوقود والاتصالات. وبما أن تضخم مجموعة “الأغذية والمشروبات” بلغ 50.72% ومجموعة “الاتصالات” قفزت إلى 187.96%، فإن إحساس الجمهور بالضيق الاقتصادي يتركز في هذه المجموعات الحيوية التي تتجاوز نسبها المعدل العام بكثير.
– انهيار القدرة الشرائية وفقدان الدخل: التضخم يُقاس بالأسعار، لكن الشعور بوطأته يعتمد على الدخل. في ظل الحرب، فقدت ملايين الأسر السودانية مصادر دخلها أو تآكلت قيمة رواتبها نتيجة تدهور الجنيه السوداني الذي فقد أكثر من 80% من قيمته، مما يجعل حتى الزيادة السعرية “المعتدلة” إحصائياً تبدو مستحيلة مادياً بالنسبة للمواطن.
– تأثير الندرة والسوق الموازي: تُرصد الأرقام الرسمية غالباً من الأسواق المتاحة، لكن في مناطق النزاع أو الحصار، يضطر المواطن لشراء سلع من “سوق الظل” بأسعار ناتجة عن الندرة الشديدة، وهي أسعار قد لا تدخل بدقة في استمارات الجهاز المركزي للإحصاء الذي يعتمد في بعض الولايات (مثل دارفور وكردفان) على تقديرات تقريبية نتيجة الصعوبات الأمنية.
– -تقادم سلة المستهلك (سنة الأساس 2007): يعتمد حساب التضخم على “أوزان” إنفاقية تعود لعام 2007، وهي سنة كان يستهلك فيها السودانيون سلعاً كمالية وخدمات لم تعد تمثل أولوية الآن. في عام 2026، تغيرت أولويات الإنفاق تماماً لتصبح مركزة حول البقاء، مما يجعل الأوزان القديمة تعطي صورة مضللة للمعدل العام مقارنة بالواقع.
نموذج ستيف هانكي (Steve Hanke)
في المقابل، تظهر تقديرات البروفيسور ستيف هانكي من جامعة جونز هوبكنز تضخماً يفوق الأرقام الرسمية بعدة أضعاف، حيث يعتمد نموذجه على “تعادل القوة الشرائية” المرتبط بسعر الصرف في السوق الموازي. وفقاً لمؤشر هانكي للبؤس (HAMI)، فإن تضخم السودان الحقيقي يظل في مستويات ثلاثية الأرقام (تتجاوز 200%) لأن قيمة العملة هي المقياس الأصدق لثقة المستهلك، وليس السعر الرسمي لسلع قد لا تكون متوفرة أصلاً في الأسواق.
الخلاصة الاستراتيجية:
التقرير الرسمي السوداني يمثل “أفضل جهد ممكن” في ظل الانهيار الهيكلي، لكنه يعكس “تضخم الولايات المستقرة” أكثر من كونه مرآة لحالة الاقتصاد الكلي. التراجع الرقمي إلى 40% هو إحصائي ناتج عن تأثير سنة الأساس، بينما الواقع الميداني يؤكد استمرار “الركود التضخمي” (Stagflation) مع ضعف في القدرة الشرائية.
* انخفاض التضخم في الاعلام*
من ناحيته رأى المحلل الاقتصادي د.هيثم فتحي ان انخفاض التضخم فقط على وسائل الإعلام وعزا ذلك لجهة ان الانخفاض شهرياً
لذلك عده لا يعني شيئاً إذا لم ينعكس على أسعار السلع والخدمات الأساسية .
واشار ان المشكلة ليست في قلة المواد، بل في طريقة التسعير واحتكار قلة من التجار والمستوردين السوقَ
ما يجري في الأسواق السودانية عموماً والعاصمة خاصة اليوم يعكس حالة فوضى اقتصادية منظمة، سببها ضعف أدوات الرقابة وغياب سياسة واضحة من حكومة الأمل وقطاعها الاقتصادي ، وقال هيثم فتحي” في تقديري ضعف السياسات الاقتصادية وعدم استقرار الوضع الأمني جعل الأسعار تنفلت من عقالها. كما ساهمت قلة الإنتاج المحلي، والاعتماد شبه الكامل على الواردات، وتعدد مراكز القرار الاقتصادي، في زيادة الفوضى السعرية.
مضيفا ان الأزمة الاقتصادية الحالية تعد من أسوأ الأزمات التي مرت بها البلاد في تاريخها الحديث، وهي نتيجة تراكمات عدة على مدى سنوات طويلة
وزادت بالتعمق مع اندلاع الحرب عام 2023
وما تبعها من دمار للبنية التحتية، وتوقف عجلة الإنتاج، وخسارة الدولة للعديد من الموارد الحيوية. وتمثلت آثار الأزمة على المواطنين في تدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار والبطالة، وزيادة معدلات الفقر والجوع، وضعف في الرعاية الصحية والتعليم السوق السوداني اليوم يعمل بنظام “اقتصاد أزمات”، حيث يشكل الخوف من الخسارة أو ارتفاع الدولار ذريعة لرفع الأسعار، وغياب الرقابة الفاعلة يترك المجال مفتوحاً للتلاعب.
واكد ان استقرار الأسعار مرتبط أولاً بتوفير الإنتاج المحلي، ومن ثم ضبط الرسوم الجمركية، ووقف التهريب، وتحفيز الصناعات المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يربط الأسعار مباشرة بسعر الدولار.
واكد هيثم فتحي ان تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، سينعكس على اقتصاد البلاد
فالسودان يستورد غالبية احتياجاته من المشتقات ما يعني زيادة في الإنفاق.
وأكد ان الفوضى الاقتصادية عموماً والنقدية والمالية خصوصاً التي يعيشها السودان الان ستلقي بظلالها على الاقتصاد السوداني
مع ارتفاع في التضخم بفعل ارتفاع تكاليف الشحن وخصوصاً أن السودان يستورد أكثر من 75في المئة من حاجاته من سلعٍ وخدمات
وقال هيثم أثّرت معدّلات التضخّم عالية المستوى على القوّة الشرائية للسودانيين على جميع المستويات، ولم تشهد الرواتب تحسيناً ربطاً بمعدّلات التضخّم، سواء في القطاع العام في القطاع الخاص.




