
من يترجم هذا الزخم الشعبي الهائل!!
قطع شك، اليوم 13 من ديسمبر، لم يخرج السودانيون إلى الشوارع في مدن وحواضر السودان، وحتى دول اللجوء والاغتراب، بهذا الكم الهائل وبهذه الأعداد التي فاقت تلك التي خرجت لتأييد قحت في ذلك اليوم المشؤوم، حينما قلّدنا أولئك الأقزام من المتآمرين أحلامنا في العدالة والاستقرار ومعالجة الأوضاع الاقتصادية،

ولكن كان الخذلان مصيرنا ممن كانوا يتأبطون الخيانة ويضمرون الشر من أجل تنفيذ رغائب أعداء السودان في الإقليم والعالم. حينها خرجنا نلعن الجيش ونظنه يقف عائقاً وحجر عثرة أمام التحول الديمقراطي، أو هكذا خدعوا الجميع.
أقول، لم يخرج السودانيون اليوم مجاملةً لأحد، ولا بدافع حماسة عابرة، خرجوا لأن اللحظة بلغت حدّها الفاصل. خرجوا ليؤكدوا، بصوت واحد، أن هذا الجيش لن يُخذل بعد اليوم، وأن الدولة السودانية لن تُترك وحيدة. خرجوا لخرس الألسن الآسنة التي تلوك مأساتنا آناء الليل وأطراف النهار، وتقتات من أزماتنا التي تسببوا فيها ولا يزالون، وللقول إن ما جرى ويجري في السودان ليس «صراعاً داخلياً» أو صراعاً بين جنرالين كما يُراد له أن يُسوَّق، بل عدوان مكتمل الأركان، تقف خلفه مليشيا إرهابية ودول راعية لها، وبعض السياسيين الأقزام من أبناء جلدتنا العاقّين بوطنهم وشعبهم.

اليوم المدن خرجت بكل أطيافها وتنوّعها لتهتف: جيشاً واحداً، شعباً واحداً، هذا الشعار الذي يتضمن العديد من الرسائل، والتي لا يتسع المجال لتفصيلها في هذه العجالة.
لقد خرج الناس دعماً للقوات المسلحة السودانية، وتنديداً بجرائم مليشيات الجنجويد، وفضحاً للدور الخارجي القذر في رعاية الإرهاب داخل السودان. خرجوا لتصنيف الجنجويد منظمة إرهابية، ومحاسبة الدول التي موّلت وسلّحت وغطّت هذا الخراب. وهذا بحد ذاته تحوّل نوعي في وعي الشارع، يجب ألّا يُهدر.
لكن، وهنا بيت القصيد، فإن هذا الزخم الشعبي الهائل يضع مسؤولية تاريخية مباشرة على عاتق قيادة الجيش والدولة. فالشعوب حينما تصطف بهذا الوضوح، لا تنتظر خطابات رنّانة بقدر ما تنتظر قرارات شجاعة وخطوات عملية بحجم هذه التضحيات الجسام التي قدّمها الشعب.
أول ما يجب على القيادة فعله الآن تحويل هذا الاصطفاف الشعبي إلى غطاء وطني كامل للحسم العسكري، وبلا أي تردّد، فالمعركة باتت معركة وجود دولة وشعب ومقدّرات وإرث تاريخي تليد، وفوق ذلك كله هناك أنهار من الدموع ودماء الشهداء، وأي تأخير في الحسم يعني إطالة أمد النزيف.
كما يجب إطلاق معركة سياسية داخلية وخارجية موازية، وتنظيف المشهد الداخلي بلا مجاملات. لا يعقل أن يكون الشعب في أعلى درجات الوضوح، بينما تظل بعض المواقف مرتبكة أو خجولة. المرحلة تتطلب قرارات حاسمة تجاه كل من تواطأ، أو تاجر بالحياد، أو راهن على إضعاف الدولة من الداخل.
كذلك على الدولة أن تبدأ من الآن التفكير في ما بعد دحر العدوان. الناس الذين خرجوا لا يقاتلون فقط من أجل الانتصار العسكري، بل من أجل دولة عادلة، قوية، غير مختطفة الإرادة. وهذا يفرض رؤية واضحة لإعادة الإعمار، وإنصاف الضحايا، وبناء مؤسسات لا تسمح بتكرار هذه المأساة.
13 ديسمبر ليس يوماً عابراً في روزنامة الحرب، بل إعلاناً شعبياً بأن الرهان على كسر إرادة السودانيين قد سقط، وشهادة بأن الجيش والدولة ليسا وحدهما في الميدان.
الكرة الآن في ملعب القيادة.
فإما أن تُترجم هذه النصرة الشعبية إلى نصر مكتمل، وإما، لا قدّر الله، أن يُهدر هذا الزخم، وهو ما لن يغفره التاريخ.
ناجي الكرشابي





