
وهج الفكرة | د. أنس الماحي: إسرائيل والسلاح النووي
د. أنس الماحي
( الفيل في الغرفة )
في عالمٍ يدّعي أنه يسير وفق مواثيق الأمم المتحدة، ومعاهدات عدم انتشار الأسلحة النووية تبقى “إسرائيل” النموذج الفجّ لأكبر ازدواجية أخلاقية وسياسية في التاريخ المعاصر، دولة تُعدّ من بين القوى النووية الكبرى، تملك ترسانة من القنابل والرؤوس النووية، ولا أحد يجرؤ على مواجهتها أو إخضاع برنامجها النووي للرقابة لماذا؟ لأن الكيل بمكيالين هو القاعدة، والتواطؤ هو القانون غير المكتوب.
منذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت “إسرائيل” رحلتها السرية نحو القنبلة النووية، ليس وحدها بل بدعم مباشر من فرنسا، التي زوّدتها بالمفاعلات والتكنولوجيا النووية في صفقاتٍ لم يكن ينقصها سوى الاعتراف الدولي ثم جاء الدور الأميركي لاحقًا، بتوقيع اتفاق غير مُعلن عام 1969 بين رئيسة الوزراء غولدا مائير والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، يقضي بأن تظل الترسانة النووية الإسرائيلية “خارج إطار العلن”، مقابل تجاهل أميركي تام لهذا التهديد الجاثم في قلب الشرق الأوسط.

إن ما يُعرف اليوم بسياسة “الغموض النووي” الإسرائيلية، ما هو إلا ستار دخاني تحتمي خلفه دولة تملك قنبلة ذرية منذ عام 1967، أي قبل اندلاع حربها بستة أيام مع جيرانها العرب كشف الباحث الإسرائيلي-الأميركي أفنير كوهين في كتابه “إسرائيل والقنبلة” تفاصيل مرعبة عن المشروع النووي الذي أُسس بقرار من بن غوريون وبدعم فرنسي شامل، ثم نضج تحت الحماية السياسية والدبلوماسية لواشنطن.
ولأن الغطرسة لا حدود لها، لم تكتفِ “إسرائيل” بإخفاء برنامجها النووي، بل تبنّت سياسة الضربات الوقائية، أو ما يُعرف بـ”مبدأ بيغن”، لتدمير أي محاولة عربية أو إسلامية تمتلك مشروعًا نوويًا مستقلًا، العراق كان الضحية الأولى عام 1981 حين قُصف مفاعل أوزيراك، تلاه قصف مفاعل “الكبر” في سوريا عام 2007. ولم تتورع تل أبيب عن استخدام الفيروسات الإلكترونية واغتيال العلماء الإيرانيين في وضح النهار.

لكن الأكثر استفزازًا وخطورة ما صدر مؤخرًا عن وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو، حين قال إن “إسقاط قنبلة نووية على غزة خيار مطروح”فهذه التصريحات لم تكن زلة لسان بل تمثل الحقيقة المرعبة التي طالما حذّر منها العالم إن بقاء ترسانة نووية خارج الرقابة، بيد دولة توسعية تمارس سياسات الفصل العنصري والحصار والعدوان، هو تهديد للأمن الإقليمي والعالمي.
أين الوكالة الدولية للطاقة الذرية ..؟
لماذا لا تخضع “إسرائيل” للتفتيش ..؟
لماذا لا توقع على معاهدة عدم الانتشار النووي ..؟
الإجابة ببساطة لأن واشنطن لا تريد /
وباريس …؟؟
باريس كانت الراعية الأولى للمشروع ..
وماذا اذن عن العالم الغربي …؟؟
العالم الغربي يرى في “إسرائيل” حليفًا لا يُمس مهما ارتكبت من جرائم أو تهديدات.
وفي الوقت الذي تُحاصر فيه دول كإيران لمجرد تخصيب اليورانيوم، وتُفرض عليها عقوبات اقتصادية خانقة، تواصل تل أبيب تعزيز ترسانتها بلا أي محاسبة، إنها سياسة “العين العوراء” التي تتقنها الإدارات الأميركية المتعاقبة، على حساب أمن شعوب المنطقة وحقها في الاستقلال والردع.
إن السكوت الدولي على المشروع النووي الإسرائيلي لا يُمثل مجرد تواطؤ، بل هو جريمة أخلاقية تضع العالم أمام مرآة نفاقه، ولا يمكن للعالم أن يتحدث عن نزع السلاح أو نشر السلام بينما يتغاضى عن الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك قنابل نووية، وترفض الكشف عنها أو السماح بتفتيشها.
وإذا كان الغرب قد اختار أن يضع “الفيل في الغرفة” ويتظاهر بعدم رؤيته، فإن الشعوب، لا سيما في الشرق الأوسط، ترى الحقيقة بوضوح أن “إسرائيل” تمثل خطرًا نوويًا صامتًا، وتهديدًا وجوديًا يتغذى على ازدواجية المعايير ودعم الحلفاء المتواطئين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وفرنسا.

