وهج الفكرة.. د. أنس الماحي: الكفاءات الوطنية.. الجندي المجهول الذي لا يبحث عن شهرة ولا منصب
متابعات | تسامح نيوز

وهج الفكرة.. د.أنس الماحي: الكفاءات الوطنية.. الجندي المجهول الذي لا يبحث عن شهرة ولا منصب
د. أنس الماحي
كنا نحلم ، ونحلم بأن ننفض غبار الولاءات الضيقة، وأن نرفع راية الكفاءات الوطنية كي تُشرق شمس العدل على أرضٍ عانت من حروب التمزق والحزبية، فليست الدماء التي سُكبت طريقًا إلى سُلطةٍ تُستباح أو منصبٍ يُتنافس عليه فإنما هي يمينٌ قطعناه على أرواح الشهداء أن نصنع وطنًا لا يُحكم بصراعات الأحزاب.

قلنا إنها معركة بقاء، معركة وجود معركة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالعقل والحكمة والعمل الجاد. فمن كان همه السودان فليتقدم، ومن كان همه السلطة فليتنحَّ. فإن السودان ملك لكل أبنائه، ولن يقوم إلا بسواعد مخلصة، رجالًا ونساءً لم يتلوثوا بالصراعات، ولم يسعوا للغنائم، بل كان الوطن غايتهم، ورفعته هدفهم، وإعلاء شأنه رايتهم فالسلطة ليست غنيمةً تُقسّم، ولا مزرعةً تُورث.
السلطة أمانةٌ يجب أن تُسلم لأهلها فكما اختار الشعب أن يموت من أجل الحرية، فليختار اليوم أن يحيا من أجل الكرامة. لنترك الأحزاب تتناحر في خنادق الماضي، ولننطلق نحو المستقبل بقيادة الكفاءات التي تُجيد لغة البناء، لا لغة المزايدات.
إن الفترة الانتقالية ليست جسرًا إلى سلطةٍ حزبية، ولا سوقًا للمساومات السياسية، فالأحزاب بكل ألوانها كانت جزءًا من الأزمة؛ ولذلك لا يمكن أن تكون جزءًا من الحل حيث يتصارع الطامعون وتتلاطم الأمواج السياسية، فيغيب الوطن وتُرفع رايات الولاءات الضيقة ليصبح الصراع على الكراسي أكبر من الصراع على البناء والتعمير.

إن الفترة الانتقالية هي فترة لمعركةٌ جديدة من معارك الكرامة تحتاج فيها الدولة إلى عقول تبني، لا إلى أيدٍ تهدم وهي ليست ساحة صراع سياسي، بل هي مرحلة تأسيس دولة المؤسسات، التي تضع السودان على طريق النهضة والاستقرار. وهذا لا يكون إلا بتسليم زمام الأمور إلى شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة والكفاءة، لا تسعى إلى السلطة بل تحمل همّ الوطن.
قلنا ان السودان يحتاج اليوم إلى حكومة تكنوقراط خالصة، حكومة تتشكل من أصحاب الخبرة في الاقتصاد والقانون والإدارة، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية الضيقة، حكومة تعمل على توحيد الصف الوطني، وتحقيق العدالة، وترتيب أولويات المرحلة المقبلة وفقًا لمصلحة الشعب، وليس وفقًا لمعادلات المصالح السياسية الضيقة، وليس ذلك لأن العمل السياسي الحزبي مذموم، ولكن لأن الواقع يفرض علينا اليوم أن نبحث عن حل خارج إطار المناكفات والمصالح الضيقة، حل يعتمد على رجال ونساء لم يبيعوا ضمائرهم للولاءات، ولم يرتهنوا أجنداتهم للخارج، بل ظلوا يحملون همَّ هذا الوطن ويسعون لرفعة شأنه بلا حسابات ضيقة.
لقد رأينا كيف أضاعت الأحزاب، بلهاثها وراء السلطة، فرصًا تاريخية لبناء الوطن. فبدلًا من أن تكون منصات للحوار الوطني، تحولت إلى غرفٍ مغلقة تُخطط لتعطيل المسار الانتقالي. أما الكفاءات الوطنية، فهي الجندي المجهول الذي لا يبحث عن شهرةٍ ولا منصب، بل يقدم خبرته كقربانٍ للوطن. هؤلاء هم “الطيارون الحقيقيون” الذين يُصلحون ما أفسدته السياسات الحزبية، ويبنون مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة، لا المحسوبية.

