
متابعات | تسامح نيوز
كشف رئيس الحكومة الإسرائيلية عن نيّته تشكل محور، “سداسي” الأضلاع، من داخل الشرق الأوسط وخارجه، لمواجهة “محور شيعي ينهار، وآخر سنيّ يتشكل”، محور إيران وحلفائها الذي تعرض لاهتزازات استراتيجية بعد طوفان الأقصى وحربي “الإسناد” والأيام الـ 12، ومحور أخر قوامه تركيا وقطر، تبدو السعودية ومصر ليستا بعيدتين عنه…وفي الأفق الأبعد، تقف الباكستان على عتباته.
من منظور “نظرية الأمن القومي الإسرائيلية”، شكلت طهران على امتداد ما يقرب من النصف قرن، مصدر تهديدٍ للأمن الإسرائيلي، يصعد ويهبط، إلى أن بلغ ذروته في السنوات الممتدة من 2005 حتى 2025، حيث تنامت على نحو غير مسبوق، قوة حلفاء طهران في العراق وسوريا ولبنان، ودخلت المقاومة الفلسطينية في غزة، مرحلة جديدة من التمكين، تزامناً مع ظهور انصار الله الحوثيين، كقوة لا معادل لها، في التركيبة الداخلية اليمنية، قبل أن يكتسي حضورها طابعاً إقليمياً إثر دخولها على خط “الإسناد”، ونجاحها في تعطيل الملاحة الإسرائيلية (والمتجهة إلى إسرائيل) من باب المندب وعبر البحر الأحمر.
الآن، تبدو الصورة مختلفة من وجهة النظر الإسرائيلية: هذا المحور أصيب في مقتل إثر النجاحات الأمريكية – الإسرائيلية، في توجيه ضربات استراتيجية مؤلمة لحزب الله، وسقوط نظام الأسد، وانتقال سوريا من ضفة إلى ضفة أخرى، واشتداد قبضة الحصار والتهديدات للفصائل “الولائية” التي دخلت حرب الاسناد وإن بتردد، ومع انقلاب المشهد في غزة، لغير صالح المقاومة، فضلاً، وهذا هو الأهم، عن انتقال إيران إلى مواقع دفاعية، داخل حدودها، ذوداً عن نظامها و”موجوداتها” الاستراتيجية، فيما طبول الحرب التالية عليها، ما تزال تُقرع بقوة، ويعلو ضجيجها على صوت الدبلوماسية والوساطات الإقليمية
يستشعر نتنياهو “فائضاً في القوة”، يدفعه للتفكير بنقل من إسرائيل من “التفوق” إلى الهيمنة”، ومن “مزيج الأدوات الناعمة والخشنة” تحت عنوان “التطبيع”، إلى “التوحش” وفرض الإملاءات، وهو إذ يجد في نتائج حروب العامين الفائتين المتناسلة، فرصة تاريخية نادرة، قد لا تتكرر أبداً، لتجسيد حلمه التوراتي بإقامة “إسرائيل الكبرى”، فإنه يجد نفسه مرغماً على البحث عن أدوات جديدة، ومحاور جديدة، تتساوق معه، وتيسر لكيانه، فرص تحقيق أهدافه الاستعمارية التوسعية…ومن هنا جاءت فكرة “المحور السداسي”.
لم يعد “عرب الاعتدال”، معتدلين كفاية من وجهة نظر “بيبي”، :اعتدالهم” لم يعد منسجماً مع أهداف المرحلة الاستراتيجية الجديدة التي يهمّ كيانه بولوج عتباتها….بعضهم وفقاً لقراءته، يتجه للانزياح صوب طبعة راديكالية من “الإسلام السنّي”، وهو، وأركان حكمه، لطالما حذروا في الآونة الأخيرة، من مغبة انسياق الرياض وراء أنقرة وتركيا، واستتباعاً الاستظلال بالعباءة الإخوانية، والتي باتت “وصفة جاهزة” تتناسل منها الاتهامات بالتطرف والكراهية والإرهاب، بعد أن بلغت حملات الشيطنة، حداً مزرياً من التهافت والاسفاف، والفضل دائماً يعود لإدارة رئيس مختل ومعتل، يتأثر بآخر ما يسمعه من قادة “لوبيات” المال العربي المتصالحة مع “اللوبيات الإسرائيلية” والمدارس الأكثر تطرفاً من المسيحية الصهيونية التي فاض الناطق باسمها، مايك هاكابي، ببعض مما تنضح به أوانيها.
الأضلاع الستة للمحور الجديد
والحقيقة أنك لست بحاجة لذكاء خاص، لتتعرف على الأضلاع الستة التي سيتكون منها “المحور السداسي” الذي “بشّر” به نتنياهو، من داخل الشرق الأوسط وخارجه، من الداخل نحن نتحدث عن دولتين عربيتين (الإمارات والبحرين)، قد تنضاف إليهما المغرب، خارجياً، من أوروبا نحن نتحدث عن الثنائي الإغريقي – الأرثودوكسي: اليونان وقبرص، إفريقياً نحن نتحدث عن أثيوبيا، وربما بعض الكيانات الناشئة أو تلك اللاهثة وراء فتات المال والاستثمار، وآسيوياً، نحن نتحدث عن الهند، وهي العضو الأهم في هذا النادي.
قلنا من قبل، وتثبت صحة قولنا اليوم، أن “الإبراهيمية” لم تكون يوماً، قفزة في “مجاهيل التطبيع” مع عدو يقارف الإبادة والأبارتيد فحسب، بل مشروع حلف عسكري – أمني – اقتصادي، يجد مبرراته من خارج حسابات الصراع العربي – الإسرائيلي، ويراد له أن يكون نواة “محور جديد” في الإقليم، تستقوي أطرافه بعضها ببعض لتحقيق أهدافها، إن لجهة استحداث ميزان قوى جديد، داخل منظومة مجلس التعاون، أو لجهة التغطية على المشروع التوسعي الإجرامي الإسرائيلي، الذي رسم خرائطه الأبعد، هاكابي، ولا يكف قادة اليمين المتطرف في تل أبيب عن شرح مراميه الشريرة ورسم خرائطه وحدوده التي لا تقف عند حدود فلسطين التاريخية….اليوم، وبعد أن تظهّرت العقبات أمام محاولات توسيع وتطوير “المحور الإبراهيمي”، تتجه نيّة إسرائيل لتوسيعه من خارجه، وتتكثف الاتهامات لمن يرفضون الانضواء تحت راياته، بالانتقال إلى خندق “الإسلام الراديكالي”.
وتابعنا، كما تابع غيرنا، نجاح إسرائيل في “عسكرة” ائتلاف غاز شرق المتوسط، الذي لم يعد كما بدأ، مصرياً بامتياز، يضم إسرائيل ويستهدف عزل تركيا…القاهرة اليوم، في مطرح آخر تماماً، وهي التي طالتها سهام التوسع الإسرائيلي، ويتعرض جيشها الوطني، لأوسع عمليات الشيطنة والتحذير من الخطر الكامن في مشاريع تسلحه وبناء اقتداره…الحلف الثلاثي في شرق المتوسط، حلف عسكري – أمني بامتياز، ليس الغاز والطاقة سوى عنوان ظاهري له، فيما المناورات والتدريبات وتبادل الأسلحة والمنظومات العسكرية والأمنية بين أطرافه، تكفي للكشف عن مراميه، ومراميه الأساسية، تطويق تركيا، تمكين إسرائيل، وعزل مصر التي لا تستطيع مجاراة هذا التحالف، في أهدافه ومراميه الجديدة.
أما إثيوبيا، فتلكم حكاية قديمة – جديدة، لطالما استدعت اهتماماً اسرائيلياً متعاظماً، إن لغرض استخدام ورقة مياه النيل، لتعطيش مصر والسودان، أو لأهداف تتعلق بتفتيت المنطقة، وتعظيم الاقتدار الأثيوبي المنافس لمصر والمناهض لها، في البحر الأحمر، عبر أرض الصومال، أو لتفتيت السودان، خاصرة مصر الأمنية الضعيفة…وأديس أبابا تلعب اليوم، دوراً محورياً في مشاريع تفتيت السودان والصومال واليمن، والتصعيد الناشئ ضد إريتريا ليس بعيداً عن مرامي وأهداف هذا المحور السداسي، فأركانه جميعها، متورطة في هذه الملفات، وإن بأقدار متفاوتة، ومن ضمن لعبة توزيع الأدوار وتبادلها.
أين يتجه “عرب الاعتدال”؟
يغيب مصطلح “عرب الاعتدال” أو “المعتدلون العرب” عن الاستخدام في قاموس ما بعد السابع من أكتوبر الإسرائيلي…اليوم، تجري تل أبيب فرزاً يومياً بين أركان هذا المحور ومكوناته، ويعاد تصنيف دول “الإسلام السني” العربية، على قاعدة جديدة: من منها ظلّ على عهد الوفاء للتطبيع الإبراهيمي، ومن منها انقلب على عقبيه، أو أظهر تردداً وتباطؤاً في السير على طريقه.
رأينا ما الذي قاله لندسي غراهام في جولته الأخيرة على كل من إسرائيل والإمارات والسعودية، وكان ينقل ما قاله له نتنياهو ويعبّر عمّا جال في رأسه، السعودية تخطئ إن رفعت وتيرة نقدها واتهاماتها لأبو ظبي، والأخيرة، من وجهة نظر تل أبيب، أوفت بما تعهدت به وفاضت…السعودية تواجه التحذير والنذير من مغبة الانسياق وراء الدوحة وأنقرة (واستتباعاً الإسلام الراديكالي)، وتركيا تحل محل إيران بوصفها قائدة محور الشر الجديد، السنّي هذه المرة….غراهام هذا الذي لم يمانع من قبل بضرب غزة بـ”النووي”، يريد لواشنطن من بعد، أن تشن حرب إبادة ضد إيران وكل من يتحالف أو يتضامن معها.
نتنياهو يعوّل على تنامي فرص حرب أمريكية جديدة على إيران، للإعلان رسمياً عن نهاية محور الشر الشيعي، مرة وإلى الأبد، ولذلك، هو يريدها حرباً شعواء، لا تُبقي ولا تَذر، لا في طهران (رأس الأفعى) ولا في بلدان “الأذرع” و”الوكلاء”…هذا الحلف ينهار كما يقدر نتنياهو، وقد آن أوان مواراته الثرى…وضربه بقسوة وشدة، يفيد في تلقين “المحور السنّي الناشئ”، درساً لا ينساه أبداً…نتنياهو يريد للحرب الأمريكية القادمة على إيران، أن تضرب عصفورين (محورين) بحجر واحد.
السعودية، ومعها عدة دول عربية محسوبة على “الاعتدال”، لا تريد لحرب مقبلة على إيران، أن تنتهي باكتساح إسرائيلي للإقليم، هي تخشى نتيجة من هذا النوع، وتدرك أنها ستكون على قوائم “الاستباحة”، ولكنها رغم ذلك، لا تفعل شيئاً يتخطى الوساطة، لدرء الحرب، أو لجم التوحش الإسرائيلي…والأرجح، أن انتقالةً نوعية في الموقع والموقف لغالبية هذه الدول، لن تحدث إلا بعد حسم ملف الصراع الإيراني- الأمريكي، سلماً أم حرباً، وفي ضوء نتائج الجولة المقبلة، من المواجهة أو التفاوض، سترسم معظم هذه الدول، خطوتها التالية، والتي قد لا تكون للأمام بالضرورة، باتجاه تصويب المواقف وتصليبها حيال تل أبيب، طالما أن الباب ما زال “موارباً” أمام خطوات للوراء كذلك.
لقد طرأ تطور على مواقف هذه الدول بالذات بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة، وتتالي التصريحات والمواقف الإسرائيلية (ومؤخراً الأمريكية) التي تضعها في قلب دائرة الاستهداف التوسعي الإسرائيلي…من وجهة النظر المستجدة لهذه الدول، فإن إسرائيل أصبحت “مصدر تهديد كامن”، وليست “حليفاً محتملاً”…والمفارقة أن هذا الموقف ذاته، بات يتردد على ألسنة نتنياهو وأركان حكومته، إذ يرون أن هذه الدول تتحول إلى مصدرٍ من مصادر التهديد، بدل أن تكون مرشحةً لعضوية التحالف الجديد أو نادي “الناتو الشرق أوسطي”.
لكن من أسف، فإن الدول العربية (والإسلامية) المذكورة، لا تبني على الشيء مقتضاه، حتى الآن على الأقل، فالأصل، ألا تتوزع دول المنطقة إلى محورين: شيعي ينهار وسني يتشكل، الأصل أن تتجه هذه الدول جميعها، لبناء منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تكرس ملكيتها وأحقيتها بالإقليم وأرضه، وتعبيرها عن أشواق شعوبه وتطلعاتها، وأن تعمل على نحو مشترك وفاعل، على كسر التوحش ولجم الهيمنة الإسرائيليين، وعزل وتبذ كل من يساند تل أبيب، أو ينخرط في محورها السداسي الجديد، لكن حسابات الأنظمة في هذا المضمار، تتقدم على حسابات المصالح الوطنية والإقليمية، الأعلى والأسمى، وتلكم مسألة أخرى، وموضع بحث آخر.
عريب الرنتاوي المستشار الأول، ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية





