
متابعات | تسامح نيوز
■ والشمس تؤذن ببداية يوم جديد صباح اليوم في مدينة بورتسودان.. وقبالة مسجد كلية الهندسة بجامعة البحر الأحمر، أجبرت نفسي للتحدث إلى طفلين (15 و17 عامًا) كان أحدهما يدخن سيجارة.. شاهدتهما بالأمس وهما يدخنان لكنني تجاوزتهما والألم يعتصرني.. قلت لنفسي يوم أمس: لماذا تتعب نفسك في التحدث معهما وتقديم نصيحة ربما تكون مدخلًا لإنقاذهما من حافة الضياع؟.. ترددت.. واصلت سيري في رياضة المشي.. لكنني اليوم نزلت من برج عدم الاهتمام.. فتحت ذراعي لهما وبحركة اعتراضية قدمت التحية.. سلام يا شباب.. بتلقائية وابتسامة متعبة رحبا بي.. طلبت من صاحب الـ 15 عامًا أن يطفئ السيجارة.. بلا تردد داس عليها برجله.
■ أدرت معهما حديثًا عن مخاطر التدخين.. من خلال الحوار وجدت نفسي أمام حقائق مؤلمة.. الصغير الذي أطفأ السيجارة قال لي إنه لا يعرف مكان والده الذي طفش (من أيام الحرب) ولا يعرفون مكانه.. أخوه الأكبر سافر إلى مصر بالتهريب كما قال.. وأمه وبقية إخوانه في مدينة الدندر.
■ علمت أنه يسكن مع مجموعة من أصحابه داخل صندوق عربة مهجورة جوار مطعم شهير بالقرب من مسجد هندسة.. يقضي سحابة يومه في غسيل العربات.يؤدي صلواته الخمس في المسجد، يهاتف والدته يوميًا ويجتهد لزيارتها في العيد، لكن أمنيته هذه تتوقف على ما سيجمعه من مال ليشتري لها ثوبًا وشبشب العيد وشوية حاجات كدة للبيت. قالها وقد علت وجهه مسحة حزن أعرفها من ذكريات شقاوة وتعب العمل اليدوي عندما كنا صغارًا.
وعدني بترك التدخين، وضربنا موعدًا لنلتقي، أجابني: ما في مشكلة.
أين المشكلة؟! هذه عينة لآلاف من الصبية المشردين والمبعدين من أسرهم لظروف الحرب. كثيرًا ما نقابلهم في زحام الحياة، لكننا نتركهم ليواجهوا مصيرهم. “الفينا مكفينا” أو هذا ما نقنع أنفسنا به لتبرير تهربنا الجبان من مساعدة صغار يحتاجون فقط لكلمة طيبة ونصيحة في وسط العاصفة.





