المقالات

السفير رشاد فراج الطيب: الإقتصاد الموازي في السودان.. التحدي ومقاربة الحل 

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

يمثل الاقتصاد الموازي أو – اقتصاد الظل – في السودان أحد أبرز الاختلالات البنيوية التي رافقت تطور الدولة السودانية الحديثة ، إذ تشكل عبر عقود طويلة خارج الأطر القانونية والمؤسسية المنظمة للنشاط الاقتصادي ، حتى أصبح اقتصاداً واسع النفوذ والتأثير ، يمتلك شبكاته وأسواقه وآلياته الخاصة ، ويؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار النقدي والمالي وفي قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد الكلي .

ويشمل الاقتصاد الموازي كل الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج القنوات الرسمية للدولة ، سواء كانت أنشطة غير مشروعة كتهريب السلع والعملات وغسيل الأموال ، أو أنشطة مشروعة في أصلها لكنها تعمل خارج التسجيل والرقابة والأنظمة الضريبية والمصرفية.

ويقع ضمن هذا الإطار ما يُعرف بالسوق السوداء للعملات ، والأسواق غير المقننة ، والأنشطة التجارية غير المسجلة ، والتحويلات المالية غير الرسمية ، والجبايات الموازية ، وانشطة الوساطة والسمسرة إضافة إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد غير المنظم .

وقد نشأ هذا الاقتصاد وتوسع نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية ومؤسسية معقدة ، في مقدمتها ضعف الدولة وتراجع كفاءة مؤسسات الرقابة والتنظيم ، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية والنقدية ، وتعدد مراكز الجباية والرسوم ، والتعسف وعدم العدالة في التحصيل الضريبي ، فضلاً عن الحروب والنزاعات التي أضعفت سيطرة الدولة على الأطراف والمنافذ الحدودية وخلقت بيئات خصبة للتهريب والاقتصاد غير الرسمي .

كما أسهم التدهور المستمر في قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم في فقدان الثقة في الجهاز المصرفي ، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من المواطنين والتجار إلى اللجوء إلى السوق الموازي باعتباره أكثر قدرة على حفظ القيمة وتوفير السيولة وتلبية احتياجات الاستيراد والتحويلات .

ومع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للعملات الأجنبية والسعر الموازي ، تحولت السوق السوداء عملياً إلى مركز حقيقي لتحديد سعر الصرف خارج سيطرة الدولة .

ولم يكن تمدد الاقتصاد الموازي مجرد نتيجة لضعف الاقتصاد الرسمي ، بل أصبح مع مرور الوقت أحد أسباب إضعافه وإعاقة تطوره .

فهذه الأنشطة تعمل خارج الدورة الاقتصادية المنظمة ، ولا تسهم في الإيرادات العامة أو الحسابات القومية بصورة دقيقة ، مما يؤدي إلى حرمان الخزينة العامة من موارد ضخمة ويضعف قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والتنمية والبنية التحتية .

كما يؤدي الاقتصاد الموازي إلى تشويه بنية السوق والمنافسة ، لأن الأنشطة غير الرسمية لا تتحمل أعباء الضرائب والرسوم والالتزامات القانونية التي يتحملها المستثمر النظامي ، الأمر الذي يخلق بيئة طاردة للاستثمار المنتج ويشجع الأنشطة الريعية والمضاربات قصيرة الأجل على حساب القطاعات الإنتاجية الحقيقية كالزراعة والصناعة .

ومن أخطر الآثار الاقتصادية للاقتصاد الموازي أنه يحد من فعالية السياسات النقدية والمالية ، إذ تصبح الكتلة النقدية وحركة العملات والتجارة خارج نطاق السيطرة المؤسسية ، فتفقد الدولة قدرتها على إدارة سعر الصرف أو مكافحة التضخم أو بناء سياسات اقتصادية قائمة على بيانات دقيقة

كما يؤدي اتساع الاقتصاد غير الرسمي إلى إضعاف مؤشرات الاقتصاد الكلي ، بما في ذلك الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات النمو والتشغيل والاستثمار .

أما على المستوى المؤسسي والسياسي ، فإن الاقتصاد الموازي يرتبط غالباً بشبكات الفساد والاحتكار وتضارب المصالح ، حيث تنشأ تحالفات بين بعض مراكز النفوذ المالي والإداري لحماية الأنشطة غير الرسمية والاستفادة منها ، بما يؤدي إلى تآكل سيادة القانون وإضعاف هيبة الدولة وتكريس اقتصاد الامتيازات بدلاً من اقتصاد المنافسة والشفافية.

كذلك يمثل الاقتصاد الموازي تهديداً مباشراً للأمن القومي ، خاصة عندما يرتبط بتمويل النزاعات والتهريب العابر للحدود وغسيل الأموال والاقتصاد المرتبط بالحروب ، وهو ما يجعل معالجته قضية سيادية وتنموية في آن واحد ، لا مجرد مسألة إدارية أو مالية .

غير أن معالجة الاقتصاد الموازي لا يمكن أن تتم عبر المقاربات الأمنية وحدها ، لأن هذه الظاهرة تمثل في جوهرها انعكاساً لأزمة أعمق في بنية الاقتصاد والدولة والعلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة .

فكلما ضعفت الثقة في النظام المصرفي والسياسات الاقتصادية ، توسعت الحاجة الموضوعية لاقتصاد الظل والسوق السوداء

ومن ثم ، فإن تفكيك الاقتصاد الموازي يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يقوم على إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة ، وتحقيق الاستقرار النقدي ، وإصلاح الجهاز المصرفي ، وتبسيط الإجراءات الضريبية والجمركية ، وتوحيد مراكز الجباية ، ومنع الرسوم العشوائية التي تدفع الأنشطة الاقتصادية إلى الهروب خارج الإطار الرسمي .

كما تقتضي المعالجة الناجعة الانتقال من سياسات الملاحقة والعقاب وحدها إلى سياسات الدمج والتحفيز ، عبر تشجيع الأنشطة غير الرسمية على الدخول في الاقتصاد المنظم من خلال الحوافز الضريبية المرحلية ، وتسهيل التسجيل والترخيص ، وتوفير التمويل والخدمات المصرفية والتأمينية ، ومنح الحماية القانونية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة .

وفي المقابل ، لا يمكن تحقيق أي تقدم حقيقي دون مكافحة الفساد والاحتكار وتجفيف شبكات المصالح التي تستفيد من استمرار الاقتصاد الموازي ، لأن نجاح أي إصلاح اقتصادي مرهون بوجود دولة مؤسسات قادرة على فرض سيادة القانون وتحقيق العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص .

وفي المحصلة ، فإن قضية الاقتصاد الموازي في السودان ليست مجرد معركة ضد السوق السوداء أو التهريب ، بل هي معركة لإعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة ، وتحويل الاقتصاد من اقتصاد ريعي ومضاربي وغير منظم إلى اقتصاد منتج ومنفتح وشفاف ، يخضع للقانون ، ويسهم في دعم التنمية والاستقرار والسيادة الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى