هل يقود جهاز المخابرات العامة السوداني معركة كسر الحصار وخنق التآمر الإقليمي!!
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
كتب – الشاذلي حامد المادح
حينما تشتعل الحروب المصيرية تصبح أروقة الدبلوماسية التقليدية و المنصات السياسية المعلنة مجرد صدى لمعارك حقيقية تُدار خلف الأبواب المغلقة .. في حرب الوجود التي يخوضها السودان اليوم يتجاوز دور (جهاز المخابرات العامة السوداني) حدود العمل الأمني الكلاسيكي ليتحول إلى ذراع استراتيجية ضاربة و قادرة على صناعة واقع سياسي و أمني جديد للدولة السودانية .
بينما يندفع دعاة الحرب و ممولوها في سباق محموم تتقدمه دولة الشر عبر حراك مالي و إستثماري مكثف يجوب القارة دولة تلو أخرى لشراء المواقف و فتح ممرات الإمداد للمليشيا المتمردة ، تحركت المخابرات السودانية بهندسة أمنية مضادة و قد نجح الجهاز في تحويل التقارير الميدانية و الأدلة الدامغة إلى أوراق ضغط حاسمة ، مكنته من كسر جدار التضليل و حصار المليشيا في معاقلها الدبلوماسية و إنتزاع إعترافات إقليمية حاسمة بشرعية الدولة و القوات المسلحة .
*السودان المؤسس التاريخي لمنظومة (السيسا)*
لا يمكن قراءة الحضور السوداني الفاعل اليوم بمعزل عن جذوره التاريخية ، فالجهاز السوداني لم يكن يوماً مجرد عضو عابر في لجنة أجهزة الأمن و المخابرات في أفريقيا (CISSA) ، بل هو المؤسس و المبادِر الأساسي لقيام هذه المنظومة عام 2004م في (أبوچا) لسد الفجوة الأمنية في هيكل الإتحاد الأفريقي . و خلال العشرية الأولى من التأسيس ، كان السودان بمثابة (العمود الفقري) للمنظمة عبر إستضافة المؤتمر السنوي الثالث بالخرطوم عام 2006م و الذي تم فيه وضع اللوائح الداخلية الحاكمة و أليات تبادل المعلومات الحية بالإضافة إلى قيادة الورش التخصصية في مكافحة الإرهاب و الإتجار بالبشر .. هذا الثقل التاريخي جعل الوفد السوداني يتحرك اليوم داخل “السيسا” من أرضية سيادية صلبة كطرف صانع للمنظومة و ليس مجرد مشارك فيها .
*قمة جيبوتي .. الحراك الأحدث لخنق التمدد البشري للمرتزقة*
يمثل الحراك الأخير و البارز لجهاز المخابرات العامة السوداني في قمة جيبوتي المنعقدة في مايو 2026م النقطة المحورية الراهنة في الإستراتيجية الأمنية السودانية . حيث شارك وفد المخابرات السودانية رفيع المستوى في اجتماع رؤساء أجهزة الاستخبارات لـ (13) دولة من شرق أفريقيا و الذي عُقد برعاية جيبوتية و حضور مميز تحت شعار : (ظاهرة المرتزقة و تداعياتها في المنطقة) .
نجح الجهاز في هذا الإجتماع الأخير في فرض ملف “المقاتلين الأجانب” كأولوية قصوى للأمن الإقليمي و إنتزاع مخرجات حاسمة ركزت على تتبع شبكات التجنيد و قطع خطوط إمداد و تمويل المجموعات المسلحة غير النظامية في منطقة القرن الأفريقي . كما تم الإتفاق على تنسيق عملياتي فوري لضبط الحدود المشتركة و مكافحة الجرائم السيبرانية .
و تكمن الأهمية الإستراتيجية لهذا الحراك الأخير في وضع دول الجوار أمام مسؤولياتها ، حيث أثبتت المخابرات السودانية لنظيراتها أن (تأثير الدومينو) لعدم إستقرار السودان سيرتد فوراً على عروشهم و أمنهم الداخلي عبر قوافل المرتزقة و السلاح المنفلت ، مما جعل إلتزام تلك الدول بمخرجات قمة جيبوتي مصلحة وجودية لها رغماً عن الإغراءات المالية و الضغوط الخارجية .
*خلفيات النجاح المستمر .. من بنغازي إلى البحيرات العظمى*
تأتي نجاحات جيبوتي إمتداداً لسلسلة من الإختراقات الأمنية الناجحة التي قادها الجهاز في فترات سابقة و تستحق المرور السريع لقراءة تماسك هذا الحراك ، حيث مثلت مشاركة السودان في المؤتمر العشرين للسيسا بمدينة بنغازي الليبية (الذي إنعقد في نهاية عام 2024م) مفارقة أمنية بالغة الذكاء ، إذ خاض الجهاز معركته الإستخبارية داخل المربع الجغرافي الساخن و واجه المتورطين بالأدلة و التقارير الموثقة و صور الأقمار الصناعية التي تكشف مسارات تهريب السلاح و الوقود و المقاتلين عبر الكفرة ، مستفيداً من الإدانات الأممية المتزامنة لقطع الطريق أمام خلق تمثيل موازٍ للمليشيا .
و في ذات السياق جاء تحرك المخابرات السودانية في تجمع دول البحيرات العظمى (ICGLR) ليحدث شرخاً كبيراً في جبهة التآمر الإقليمي ، حيث تُوج الحراك بزيارة السكرتير التنفيذي للمنظمة و لقائه بالسيد رئيس مجلس السيادة و إنتزاع إعتراف قوي من “كنشاسا” يدعم سيادة السودان صراحة و يدين إنتهاكات المليشيا مما أحرج قادة دول في التجمع كانت تتبنى مواقف رمادية و ساهم في تفعيل الرقابة الأمنية على الممرات الخلفية في عمق وسط و إفريقيا لتجفيف منابع التجنيد .
*الحراك خارج القارة .. بناء التوازن الدولي و حماية السيادة الرقمية*
لم تنكفئ المخابرات السودانية داخل النطاق الأفريقي فحسب بل إمتدت يدها لتسجل مشاركات قوية واسعة في مؤتمرات و تجمعات دولية خارج القارة شملت عواصم و محافل إستخبارية كبرى في اسيا و أوروبا . و تكمن أهمية هذا الحراك الخارجي المتزامن مع الحرب في كونه شكل خط دفاع إستراتيجي لإعادة التوازن العسكري و الدبلوماسي لصالح الدولة السودانية .
أثمر هذا التحرك الدولي عن بناء قنوات تنسيق وثيقة مع وكالات إستخباراتية لقوى عظمى مثل روسيا و الصين مما ساهم بشكل مباشر في شل مساعي الإستقطاب الغربي و الإماراتي في مجلس الأمن الدولي و حرم المليشيا من أي غطاء دولي و علاوة على ذلك نجح الجهاز من خلال هذه المشاركات الخارجية في نقل و توطين خبرات تكنولوجية متقدمة في مجال الأمن السيبراني لحماية الاتصالات العسكرية و تأمين المنشآت الحيوية من الإختراقات فضلاً عن التنسيق مع وكالات استخبارات مالية دولية لملاحقة الشركات الواجهة و شبكات تهريب الذهب السوداني التي تُعد الشريان المالي لتغذية المرتزقة الأجانب .
*المخابرات العامة .. عقل الدولة الحارس في معارك الوجود*
إن ما أنجزه جهاز المخابرات العامة السوداني في ظل هذه الحرب يتجاوز التقييم الأمني التقليدي ليثبت جدارته المطلقة كركيزة أساسية لا غنى عنها في حماية كيان الدولة في مثل هذه الحروب الوجودية المعقدة .. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بفوهات البنادق في ميادين القتال فحسب بل تُخاض و تُكسب أولاً في دهاليز الإستخبارات عبر تفكيك شبكات التآمر و عزل العدو و حرمانه من حلفائه و مصادر إمداده .
في مواجهة أعتى المؤامرات الإقليمية الممتدة بظلال أموالها على طول القارة و عرضها أثبتت المخابرات السودانية أنها تمتلك الأدوات الإحترافية و العمق التاريخي و الرؤية الإستراتيجية النافذة القادرة على تحويل التقارير الأمنية إلى فيتو سياسي يصون السيادة الوطنية .. لقد برهن الجهاز على أنه ليس مجرد مؤسسة لجمع المعلومات ، بل هو (الحصن الحارس) و عقل الدولة الضارب الذي يقف جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة ليؤكد للعالم أجمع أن الدولة السودانية عصية على الإنكسار و أن لها رجالاً يحسنون قراءة تفاصيل المؤامرة و يملكون القدرة العالية على سحقها من الداخل .





