
متابعات | تسامح نيوز
أثار تعيين حكومة الدعم السريع لمحافظ بنك السودان السابق، حسين يحيى جنقول، محافظاً لبنكها المركزي في نيالا حالة من الجدل وسط المختصين بشأن انعكاسات الخطوة على الاقتصاد السوداني في ظل وجود عملتين بالبلاد.
وأصدر محمد حسن التعايشي، رئيس وزراء ما يسمى حكومة “تأسيس” الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مرسوماً في 11 مايو 2026 بإنشاء “مجلس العملة الانتقالي”، المُكلف بتعزيز الاستقرار النقدي وتنظيم الشؤون المصرفية.
ونصّ المرسوم على تكليف المجلس بالإشراف على تداول العملة، وتنفيذ برنامج استبدال العملات، وإصدار تراخيص الأنشطة المصرفية، بالتنسيق مع محافظ البنك المركزي.
وفي خطوة لاحقة جرى تعيين حسين يحيى جنقول محافظاً للبنك المركزي في نيالا حيث مقر الحكومة الموازية وصدر القرار في 21 مايو الماضي.
ونقلت تقارير صحفية نُشرت، الثلاثاء، أن جنقول استخدم معلومات بحكم موقعه السابق لطباعة كميات من العملة تحمل توقيعه من فئتي الألف والخمسمئة جنيه، مؤرخة بأثر رجعي إلى مايو 2022، وجرى توزيعها في مناطق سيطرة الدعم السريع حيث تسيطر هذه القوات على غالب ولايات دارفور الخمس وعدة مواقع في إقليم كردفان.
وكشف تجار وسكان محليون عن ضخ كتلة نقدية جديدة في أسواق مدينة نيالا ومناطق أخرى في إقليم دارفور، تحمل توقيع جنقول.
وأفادت مصادر محلية، بحسب “دارفور24”، بظهور هذه الفئات عبر شركة “المستقبل” للخدمات المصرفية، إلى جانب صرف رواتب عناصر الدعم السريع بالجنيه السوداني بدلاً من الدولار لأول مرة.
تباينت آراء خبراء الاقتصاد والمصارف حول تأثير هذه الخطوة على الاقتصاد السوداني الذي يواجه أزمات صعبة منذ بدء الحرب في أبريل 2023.
وقال مدير إدارة الرقابة السابق ببنك السودان المركزي، محمود صلاح، لـ”سودان تربيون”، إن الاقتصاد الحديث يقوم على المعرفة والرقمنة، ويتطلب بنية تقنية وبشرية ومؤسسية متكاملة لضمان النمو وزيادة الإنتاجية، مشيراً إلى أن “أي محاولات لإحداث انقسام اقتصادي لن تقود إلا إلى مزيد من التخبط، وانفلات الأسعار، وتدهور قيمة العملة”.
وأضاف أن العملات التي جرى سحبها رسمياً ثم إعادة ضخها “لا تحظى بأي اعتراف محلي أو إقليمي”، محذراً من أن التوسع النقدي في اقتصاد غير منظم يفتقر للشفافية والحوكمة سيؤدي إلى مزيد من العزلة والتدهور.
كما أشار إلى أن غياب الاعتراف والسيادة النقدية سيقوض ثقة الجمهور، ويدفع المواطنين للاعتماد على العملات الأجنبية، خاصة في المناطق الحدودية، مما يسرّع من تآكل العملة المحلية.
وحذر المحلل المصرفي وليد دليل من تحول ما يُسمى بـ”بنك المستقبل” الذي ينشط في مواقع سيطرة الدعم السريع إلى نواة لانقسام مصرفي في السودان، لافتاً إلى أن الأوراق النقدية المتداولة في بعض أسواق دارفور ليست عملة جديدة، بل تحمل توقيعاً قديماً لجنقول.
وأوضح أن هذه الفئات (500 و1000 جنيه) طُبعت خلال فترة توليه المنصب سابقاً، مرجحاً أن تكون قد استُولي عليها من خزائن البنك المركزي أو دور سك العملة خلال اندلاع الحرب، وليس نتيجة طباعة حديثة.
وأشار إلى أن هذه التطورات أسهمت في خلق انقسام نقدي فعلي بين مناطق السيطرة، معتبراً أن ضخ كميات كبيرة من النقد دون غطاء إنتاجي أدى إلى تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
ولفت دليل إلى أن الحكومة السودانية اتخذت وقتها إجراءات لمواجهة هذه التطورات، شملت تغيير توقيع العملة واستبدال توقيع جنقول بتوقيع المحافظ اللاحق، إلى جانب تنفيذ خطة لسحب الفئات الكبيرة من التداول عبر الجهاز المصرفي.
كما اعتبر البنك المركزي أي عملات متداولة خارج النظام الرسمي “غير قانونية وغير مبرئة للذمة”، في محاولة للحد من استخدام الكتلة النقدية خارج سيطرة الدولة.
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي د. هيثم فتحي بحسب ”سودان تربيون” إن عمليات الطباعة النقدية خارج الأطر الرسمية ستؤدي إلى مزيد من تدهور سعر الجنيه، وتفاقم الأوضاع المعيشية، خاصة في ظل اعتماد السودان على الاستيراد.
وأضاف أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى توقف العمليات الخارجية، مثل اعتمادات الاستيراد والتحويلات، وإغلاق حسابات البنوك لدى المراسلين بالخارج، مما ينعكس سلباً على الاستثمار والتجارة.
كما حذر من فقدان الثقة في النظام المصرفي داخل إقليم دارفور، الأمر الذي قد يدفع العملاء لسحب ودائعهم والتوقف عن التعامل مع البنوك، بما ينذر بأزمة مصرفية.
وأشار إلى أن ما يحدث في السودان لا يمثل انهياراً كاملاً للعملة بقدر ما هو انخفاض حاد نتيجة ضغوط الحرب، لكنه شدد على أن استمرار الانقسام يهدد بتقويض السياسات النقدية والمالية.
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب توحيد المؤسسات المالية والنقدية لتفادي مزيد من التدهور.





