الرياضة

‘إيرلينج هالاند’. الفايكنج الذي يحبه الجميع.. لماذا؟

متابعات | تسامح نيوز

 

متابعات | تسامح نيوز

يفسر عالم النفس كارل يونج ذلك من خلال مفهوم “النماذج الأصلية” (Archetypes)؛ وهي صور راسخة في اللاوعي الجمعي، تتكرر في الأساطير والحكايات عبر الحضارات. ومن أكثرها حضورًا صورة البطل؛ الإنسان الذي يبدو قادرًا على تجاوز حدود المألوف.

 

لهذا لا يرى كثيرون في هالاند مجرد مهاجم، بل تجسيدًا معاصرًا لهذه الصورة القديمة. فقامته الضخمة، وسرعته الاستثنائية، وبروده أمام المرمى، تمنح حضوره طابعًا أقرب إلى أبطال الملاحم منه إلى لاعبي كرة القدم.

 

لكن هذه الصورة وحدها لا تكفي لصناعة المحبة.

ففي علم النفس الاجتماعي، يميل الناس إلى ما يُعرف بتأثير “العملاق اللطيف” (Gentle Giant Effect)؛ أي الانجذاب إلى الشخص الذي يمتلك كل مؤشرات القوة، لكنه لا يستخدمها لاستعراض ذاته أو فرض حضوره على الآخرين.

 

داخل الملعب يبدو هالاند كقوة يصعب إيقافها، أما خارجه فيظهر هادئًا، بسيطًا، وعفويًا. هذا التوازن بين الهيبة والوداعة يجعله مصدر إعجاب لا مصدر نفور.

 

ثم يأتي تفسير أعمق من علم النفس التطوري.

تشير دراسات هذا المجال إلى أن الإنسان ينجذب بصورة فطرية إلى مؤشرات الكفاءة (Competence Cues). فعلى مدار آلاف السنين، كان البقاء يعتمد على القدرة على تمييز الأفراد الأكثر كفاءة. ورغم تغير المجتمعات، بقي هذا الميل حاضرًا في عقولنا.

ولهذا لا يحتاج هالاند إلى إقناع أحد بتميزه؛ فالكفاءة الواضحة تفرض نفسها حتى على الخصوم.

 

لكن الكفاءة وحدها لا تفسر الشعبية.

فهناك لاعبون عظماء لم يحظوا بالمحبة نفسها، لأن الناس لا تنجذب إلى الإنجاز فقط، بل إلى الأصالة. وتشير أبحاث علم النفس إلى أن البشر يثقون بالشخص الذي تبدو شخصيته متسقة مع نفسها، ولا يشعرون بأنه يؤدي دورًا أمام الكاميرات.

 

وهذا ما يميز هالاند. فهو لا يبدو وكأنه يحاول صناعة صورة النجم، بل يتصرف بالطريقة نفسها تقريبًا في الملعب، وفي المؤتمرات الصحفية، وفي حياته العامة. هذا الاتساق يمنح الناس شعورًا بأنهم يعرفون شخصيته الحقيقية، لا نسخة صُنعت للإعلام.

 

ومن زاوية علم الاجتماع، يشرح بيير بورديو مفهوم “الرأسمال الرمزي”؛ وهو المكانة التي يمنحها المجتمع لمن يثبت كفاءته باستمرار.

 

ومع مرور الوقت، لم يعد اسم هالاند يعني مجرد هداف، بل أصبح رمزًا للكفاءة والانضباط والإنجاز. ولهذا يكفي وجود اسمه في التشكيل الأساسي ليغيّر توقعات الجمهور قبل انطلاق المباراة.

وربما هنا يكمن السر الحقيقي.

 

في عصر أصبح كثير من المشاهير يصنعون حضورهم بالجدل أكثر مما يصنعونه بالإنجاز، يبدو هالاند كأنه ينتمي إلى زمن مختلف؛ زمن كانت الأفعال تسبق الكلمات، وكانت القيمة تُكتسب من العمل لا من الضجيج.

 

إنه لا يطلب من الناس أن يصدقوا أنه استثنائي.

إنه يترك الملعب يتحدث نيابةً عنه.

 

وربما لهذا لا يبدو هالاند مجرد لاعب كرة قدم، بل بطلًا أفلت من إحدى الملاحم الإسكندنافية القديمة، واستبدل فأس المحارب بكرة، بينما بقيت الحكاية كما هي؛ فالإنسان، منذ آلاف السنين، لا يتوقف عن الإعجاب بمن يجسد القوة، ويستخدمها في صمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى