أخبار

روايات مذهلة.. كيف يتم تغيير هوية الذهب المهرب من السودان إلى الإمارات!!

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

روى التاجر (ف-أ) بسوق الذهب الشهير بالعاصمة الجنوب سوداتية جوبا – طلب تغيير أحرف اسمه لدواعٍ متعلقة بسلامته الشخصية، كيف تتحول شحنات المعدن النفيس المهربة من السودان إلى صادرات رسمية قانونية تتجه مباشرة إلى أسواق دبي بالإمارات.

 

وقال التاجر بحسب “سودان تربيون” إن تدفقات الذهب السوداني عبر الحدود البرية لم تتوقف، حيث تصل تباعاً شحنات محملة على متن الشاحنات والدراجات النارية عبر ممرات من غير حراسة تمتد من مناجم دارفور وجنوب كردفان.

 

ويوضح المصدر ذاته أن الذهب يصل إلى جوبا على شكل سبائك تقليدية خام غير مصفاة، حيث ينشط تجار ووسطاء في شرائه نقداً بالدولار وبأسعار تزيد بنسب مقدرة عن السعر الرسمي المعروض في بنك السودان المركزي.

 

وعن طريقة شرعنة هذا المعدن، يؤكد التاجر أن الخطوة التالية لتسليم الأموال تعتمد على إعادة صياغة وسبك الكميات وتجميعها، ثم استخراج مستندات رسمية تزعم أن هذا الذهب استُخرج من مناجم أهلية في ولايات الاستوائية أو غرب بحر الغزال بدولة جنوب السودان، ليعاد تصديره جواً عبر مطار جوبا إلى دولة الإمارات ومراكز التكرير العالمية دون أي عوائق قانونية.

 

وتأتي هذه الشهادات الميدانية لتميط اللثام عن التحول الهيكلي العميق الذي شهدته سلاسل إمداد الذهب السوداني وتكشف عن انتقال شبكات التجارة غير المشروعة من مرحلة التهريب المباشر إلى مرحلة أكثر تعقيداً تُعرف عند الاقتصاديين بإعادة هندسة سلسلة القيمة وغسيل المنشأ عبر دول الترانزيت والجوار، وعلى رأسها دولة جنوب السودان، للالتفاف على العقوبات الدولية واستبدال الهوية القانونية للمعدن النفيس.

بعد سيطرته على منجم ذهب جبل عامر عام 2017 قام قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي، بتوجيه الأرباح إلى نحو خمسين شركة تتبع لقوات الدعم السريع، وعرض في العام 2019، نحو مليار دولار لدعم الاستقرار الاقتصادي في السودان.

 

وفي مارس الماضي حملت رحلتان من جوبا إلى دولة الإمارات نحو 115 كيلوجراماً من الذهب السوداني المهرب وفق حديث التاجر (ف-أ).

 

وتشير تقديرات تقارير خبراء الأمم المتحدة والمراكز البحثية المهتمة باقتصاد النزاعات إلى أن إقليم دارفور ككل ينتج سنوياً ما بين 10 – 20 طناً من الذهب، يتوزع بين مناطق جبل عامر، سنقو، حفرة النحاس، وشمال وغرب دارفور.

 

وتُصنّف منطقتا سنقو وحفرة النحاس -تحت سيطرة الدعم السريع حالياً- ضمن أعلى المواقع إنتاجية في جنوب دارفور.

 

وتُقدّر أعداد المنقبين والعاملين في مناجمها بآلاف الأشخاص، مما يجعل إسهامها يُقدّر بـ عدة أطنان من الذهب سنوياً -تقديرياً ما بين 2 إلى 5 أطنان سنوياً وفق حسابات الطاقة الاستيعابية وحجم الأسواق المحلية في المنطقة وهو ما يؤمن لتلك القوات الإمدادات والعمليات اللوجستية.

 

وتقع كل من سنقو وحفرة النحاس في أقصى جنوب غرب ولاية جنوب دارفور، ضمن نطاق كافي كنجي ومحيط محمية الردوم الطبيعية، على الشريط الحدودي المتاخم لدولة أفريقيا الوسطى ودولة جنوب السودان.

 

كما تمثل المنطقة مقطعاً حدودياً ثلاثياً يصعب التحكم فيه رسمياً، مما يجعلها ممراً حيوياً لعمليات تهريب الذهب والتجارة العابرة للحدود وتأمين خطوط الإمداد.

 

وأوضحت متابعات ومصادر ذات علاقة جغرافية بالمنطقة فرض قوات الدعم السريع نفوذها على هذه المناطق عبر تأمين المناجم، ونشر نقاط تفتيش، والإشراف المباشر على أسواق الذهب ومواقع التنقيب.

 

وأشارت المتابعات إلى تحصيل رسوم وإتاوات على المنقبين والتجار في أسواق سنقو وحفرة النحاس مقابل توفير الحماية والسماح بالعمل والتنقل، فيما يُهرّب جزء كبير من ذهب سنقو وحفرة النحاس عبر الحدود الجنوبية الغربية.

 

وتُشكل عائدات الذهب من هذين الموقعين، إلى جانب مناجم جبل عامر ومناطق التعدين الأخرى في دارفور، مصدر التمويل الرئيسي الذي تعتمد عليه الدعم السريع لتمويل العمليات العسكرية، وتسديد أجور المقاتلين، وشراء السلاح واللوجستيات.

 

وكشف مصدر أمني سوداني لـ”سودان تربيون” عن تداعيات الحرب المباشرة على انكشاف المنافذ الحدودية، موضحاً أن اندلاع الصراع وتمدد المواجهات العسكرية أدى إلى إعادة تموضُع القوات الأمنية وقوات حرس الحدود وسحب أعداد كبيرة منها من النقاط الحاكمة على الشريط الحدودي مع دولتي جنوب السودان وتشاد لتغطية جبهات القتال، مما خلق فراغاً أمنياً واسعاً استغلته عصابات التهريب والشبكات العابرة للحدود.

 

وأكد المصدر الأمني أن حدود السودان مع تشاد وجنوب السودان، الممتدة لآلاف الكيلومترات، باتت مسرحاً حراً لعمليات نقل الذهب المهرب، حيث تتولى شبكات مسلحة تأمين الشحنات المغادرة من مناجم دارفور وكردفان باتجاه مدن أدري وأبشي في تشاد، أو عبر ولايات بحر الغزال والاستوائية نحو جوبا.

 

وأشار إلى أن غياب القوات الرقابية المتخصصة وتوقف عمل أجهزة الرصد الراداري والجمركي جراء الحرب شلّ قدرة الأجهزة الرسمية على المتابعة والضبط، مما أتاح لعصابات التهريب نقل عشرات الكيلوجرامات سنوياً وإعادة إصدار أوراق منشأ جديدة لها في دول الترانزيت قبل شحنها إلى دبي.

 

وفي سياق ذلك، اعتبر الخبير الجمركي العميد شرطة (م)، فضل الله محمد عبد الدائم، أن ظاهرة تهريب الذهب السوداني انتقلت من مجرد ثغرات حدودية إلى صناعة منظمة لغسيل المنشأ، مستفيدة من تعقيدات الحرب وغياب السيطرة الاتحادية على المنافذ.

 

وأوضح عبد الدائم، أن تجارة الذهب تعتمد جمركياً على ما يُعرف بـ المعاملة التفضيلية وشهادة المنشأ، مشيراً إلى أن المهربين والشبكات العابرة للحدود يستغلون هشاشة الرقابة الجمركية في دول الجوار لإعادة سبك وصهر الخام السوداني وتغيير وسمه الجمركي، لتبدو الشحنات وكأنها إنتاج محلي لتلك الدول.

 

وأضاف الخبير الجمركي أن توقف أنظمة الرصد الآلي وشبكات التتبع الجمركي الموحدة بين السودان ودول الترانزيت منذ اندلاع النزاع، أدى إلى شلل كامل في منظومة إدارة المخاطر الجمركية، مما أتاح للمهربين تمرير أطنان من المعدن النفيس عبر وثائق صادر مزورة تنتهي رحلتها في البورصات والمطارات العالمية بعيداً عن أعين الرقابة والخزينة السودانية.

 

عندما كانت قوات الدعم السريع تقاتل حلفاءها السابقين في الجيش السوداني، استولى على مصفاة الذهب المملوكة للدولة في الخرطوم واقتحمت البنك المركزي. وسُرِق ما لا يقل عن 1.5 طن من السبائك الذهبية التي بلغت قيمتها آنذاك 100 مليون دولار، إلى جانب مجوهرات نُهِبت من الخزائن الآمنة في البنوك التجارية بحسب فاينانشال تايمز.

 

ويقول شاهد عيان، وفقاً لـ فاينانشال تايمز، أُيِّدت روايته من قِبل ثلاثة أفراد آخرين على دراية بالعملية، إن قوات الدعم السريع شبه العسكرية نقلت الذهب عبر الحدود، بما في ذلك إلى تشاد وجنوب السودان المجاورين. وتنفي قوات الدعم السريع تورطها..

 

لكن الوجهة التالية لمعظم هذا الذهب لم تكن لغزاً: فمن المطار الدولي في عاصمة جنوب السودان، حُمِّل الذهب على متن طائرات متجهة إلى الإمارات العربية المتحدة.

 

يقول المصدر المطلّع: “أرسل الإماراتيون طائرات شحن، مدنية أحياناً وعسكرية أحياناً أخرى، لنقل الذهب وشحنه”.

 

ويُسلّط دور الإمارات في هذه الواقعة الضوء على المكانة المحورية التي تلعبها هذه الدولة الخليجية كعاصمة مالية خارجية (Offshore) لأفريقيا، وكأكثر قوة أجنبية مؤلفة ومؤثرة تترك بصمتها على القارة خلال العقد الماضي.

 

وتحت قيادة حاكمها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، نشرت الإمارات الاستثمارات والنفوذ والعتاد العسكري عبر أفريقيا بسرعة مذهلة، في محاولة لسخرية التجارة والموارد لمرحلة ما بعد النفط.

 

ويمتد نفوذ الإمارات في القارة من الموانئ إلى مشاريع الطاقة الخضراء والمزارع الصناعية الضخمة، فقد استأجرت ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية لتعزيز أمنها الغذائي، وحصلت على حقوق التعدين من جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى غينيا لتأمين المعادن الحيوية اللازمة للانتقال في مجال الطاقة ولقطاعها الدفاعي المتنامي.

 

لكن هذا الانخراط بحسب فاينانشال تايمز، يأتي بثمن؛ حيث تبتكر الإمارات شبكة معقدة من التشابكات التجارية والصناعية والعسكرية التي تُعزز أحياناً سيادة الدول الهشة، ولكنها تُقوّضها في أحيان أخرى — كما هو الحال في السودان الممزق بالحرب.

 

ومع التغييرات المستمرة في خريطة السيطرة الميدانية وتمدد المواجهات العسكرية بالولايات الغربية والتي أدت إلى خروج الموانئ والمطارات الرئيسية عن الخدمة التقليدية، رسمت شبكات التهريب والترانزيت مسارات جغرافية بديلة لإعادة تشكيل خطوط إمداد المعدن النفيس وغسيل هوية منشئه السوداني.

 

ويبرز مسار دارفور – بحر الغزال – جوبا كشريان رئيسي لنقل الذهب المهرب من مناجم أقاليم غرب السودان نحو مراكز التجميع بشرق أفريقيا، بالتوازي مع نشاط لافت لمسار النيل الأبيض – أعالي النيل، الذي يستغل الحركة التجارية الحدودية المترابطة والمنافذ المائية المفتوحة بين البلدين.

 

إضافة إلى ذلك، تظهر المتابعات مساراً ثالثاً ينطلق من كردفان نحو غرب بحر الغزال، لتمرير الشحنات بعيداً عن أجهزة الرصد الجمركي والأمني. وتصل هذه العملية المنظمة إلى محطتها الأخيرة في العاصمة جوبا.

 

أيضاً تظهر علامات لمسار آخر عبر النيل الأزرق وصولاً إلى دولة إثيوبيا ومسارات متعددة شرقاً نحو دولة إريتريا يُهرّب إليها الذهب.

 

وتُلقي هذه التطورات الضوء على حجم اتساع فجوة التهريب التي ظلت تلاحق الاقتصاد السوداني طوال السنوات الأخيرة. فبينما تسجل البيانات الرسمية تراجعاً كبيراً في الصادرات التي تمر عبر القنوات الرسمية للحكومة السودانية، تواصل كميات التعدين الأهلي والحرفي تدفقها عبر الطرق غير المشروعة، متأثرة بالارتفاع المتزايد في أسعار الذهب عالمياً وانقطاع سلاسل التوريد والرقابة الرسمية في العديد من منافذ التعدين.

 

وتأتي هذه المعطيات مع التصريحات الرسمية التي أدلى بها وزير المالية، جبريل إبراهيم، والتي أقر فيها بعمق الكارثة الإدارية والأمنية التي تضرب ثروات البلاد.

 

وأوضح الوزير في تصريحات سابقة أن البلاد تفقد مقادير ضخمة من إنتاجها السنوي تسربت كلياً لصالح منافذ التهريب، مما أدى إلى حرمان الخزينة العامة من مليارات الدولارات المفقودة.

 

وأشار إبراهيم إلى التراجع الحاد في سيطرة الدولة على سلاسل الإنتاج، مقارنة بالسنوات التي سبقت الحرب والتي كانت تسيطر فيها المؤسسات الرسمية على غالبية الإنتاج الصادر. وشدد وزير المالية على أن الإيرادات التي جرى تحصيلها في الآونة الأخيرة لا تتناسب مطلقاً مع حجم الإنتاج الكلي للبلاد.

 

ودعا إلى ضرورة إنهاء قطاع التعدين الأهلي كلياً والتحول نحو التعدين المنظم والتجاري لتجفيف منابع التهريب، لا سيما وأن الشحنات المهربة تحتوي أيضاً على خامات معادن نفيسة مصاحبة قد تفوق قيمتها قيمة الذهب ذاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى