المقالات

السفير رشاد فراج الطيب: مالك بدري.. عالمٌ سوداني أعاد تأسيس علم النفس برؤية إسلامية إنسانية !

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

بمناسبة الأمسية الفكرية التي ترتب لها وتدعو لحضورها جامعة حمد بن خليفة ، و التي تحتفي بحياة وفكر وإرث مؤسس علم النفس الإسلامي الحديث البروفيسور مالك بابكر بدري .

نستعيد سيرة عالم سوداني لم يكن حضوره في علم النفس مجرد حضور أكاديمي ، وإنما كان مشروعًا فكريًا ومعرفيًا واسعًا أعاد طرح سؤال بالغ العمق : من هو الإنسان ؟ وكيف يمكن فهم نفسيته فهمًا لا يفصل العقل عن الروح ، ولا العلم عن القيم ، ولا العلاج عن المعنى ؟

كان مالك بدري ، الذي وُلد في السودان عام 1932م ورحل عام 2021م ، من أبرز رواد علم النفس الإسلامي المعاصر ، ومن الشخصيات السودانية التي تجاوز أثرها حدود الوطن إلى المجالين العربي والإسلامي ثم إلى الدوائر الأكاديمية العالمية .

تلقى تعليمه الجامعي والعالي في مؤسسات أكاديمية مرموقة ، وحصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليستر البريطانية ، ثم واصل تأهيله في علم النفس الإكلينيكي ، وتنقل خلال مسيرته بين التدريس والبحث والممارسة المهنية والإدارة الأكاديمية في عدد من الجامعات والمؤسسات داخل العالم الإسلامي وخارجه .

لكن أهمية مالك بدري الحقيقية لا تختزل في مسيرته الأكاديمية أو في المناصب التي شغلها ، وإنما في المشروع الفكري الذي حمله طوال حياته ، والذي تجاوز حدود التخصص إلى مساءلة بعض المسلمات التي قام عليها علم النفس الحديث ، ومحاولة بناء علاقة أكثر توازنًا بين المعرفة النفسية الحديثة والرؤية الإسلامية للإنسان .

تكمن فرادة مشروعه في أنه لم يتعامل مع علم النفس الغربي بمنطق الرفض أو القبول المطلق ، وإنما دعا إلى موقف علمي نقدي يستفيد من منجزاته ومناهجه حين تكون صالحة ، دون التسليم بأن التصورات الفلسفية التي نشأت في سياقات غربية ، وخاصة التصورات المادية أو الاختزالية للإنسان ، تمثل الحقيقة الوحيدة الممكنة عن النفس البشرية .

ومن هنا جاء كتابه الشهير ” مأزق علماء النفس المسلمين ” ، الذي أصبح من الأعمال المؤسسة للنقاش الحديث حول علاقة المسلم بعلم النفس الحديث .

لم تكن المشكلة عند بدري في العلم ذاته ، وإنما في الخلط بين العلم والفلسفات والتصورات التي قد تصاحبه ؛ فليس كل ما ينتج في بيئة علمية معينة قابلًا للنقل إلى بيئة أخرى دون نقد وتمحيص . وكان يرى أن على المسلم أن يكون عالمًا في تخصصه ، وواعيًا في الوقت نفسه بالمرجعيات الفكرية التي تشكل نظرياته ومفاهيمه .

وهكذا لم يدعُ إلى الانغلاق عن المعرفة العالمية ، بل إلى الحوار معها من موقع معرفي مستقل .

ومن هنا ارتبط اسمه بتأسيس الاتجاه الحديث في علم النفس الإسلامي ، لكنه لم يفهم «إسلامية» العلم باعتبارها مجرد إضافة مصطلحات دينية إلى نظريات قائمة ، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة بناء فهم أكثر تكاملًا للإنسان .

فالإنسان عنده ليس عقلًا منفصلًا عن الجسد ، ولا جسدًا منفصلًا عن الروح ، ولا كائنًا نفسيًا يمكن تفسيره بالكامل خارج منظومة القيم والمعنى والإيمان .

وفي كتابه « التأمل : دراسة إسلامية نفسية روحية » حاول أن يفتح مجالًا للحوار بين علم النفس والصحة النفسية والتربية الروحية والعبادة والتأمل .

وتظهر في هذا العمل بوضوح رؤيته إلى أن الصحة النفسية لا ينبغي أن تختزل في مجرد غياب الاضطراب أو المرض ، وإنما تتصل كذلك بالمعنى والقيم والعلاقة بالله وقدرة الإنسان على تحقيق قدر من التوازن بين أبعاده المختلفة .

ومن أبرز إسهاماته كذلك إعادة اكتشاف التراث النفسي الإسلامي وإدخاله في الحوار العلمي المعاصر .

ويبرز في ذلك كتابه عن العالم المسلم أبي زيد البلخي ، الذي أعاد من خلاله قراءة أفكار هذا الطبيب والعالم المسلم في قضايا النفس والانفعالات والاضطرابات النفسية وربطها ببعض مفاهيم العلاج النفسي الحديث . ولم يكن اهتمام بدري بالبلخي مجرد احتفاء بتاريخ علمي منسي ، بل محاولة لإثبات أن الحضارة الإسلامية امتلكت تراثًا أصيلًا في التفكير في النفس الإنسانية يمكن إعادة قراءته وتطويره وإدخاله في الحوار المعرفي العالمي .

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص مشروعه : لم يكن ينظر إلى التراث بوصفه متحفًا للماضي ، وإنما باعتباره موردًا معرفيًا يمكن إعادة اكتشافه وتفسيره وإعادة توظيفه في مواجهة أسئلة الحاضر .

ولذلك استطاع أن يقيم جسرًا بين التراث الإسلامي والمعرفة النفسية الحديثة دون أن يحول التراث إلى قيد ، أو الحداثة إلى مرجعية مطلقة .

ولم يقتصر إسهام مالك بدري على التأليف والتنظير ؛ فقد مارس التدريس والبحث والعمل الإكلينيكي والإدارة الأكاديمية ، وأسهم في تطوير المؤسسات المهنية والعلمية ، وكان من الشخصيات المؤثرة في تأسيس وتطوير علم النفس الإسلامي بوصفه مجالًا معرفيًا له حضوره ومؤسساته وباحثوه .

كما ارتبط بأعمال ومؤسسات دولية في مجالات الصحة والتعليم والمعرفة ، وهو ما يعكس طبيعة مشروعه الذي لم يكن منفصلًا عن الواقع الإنساني ، بل كان يسعى إلى تحويل المعرفة إلى ممارسة نافعة .

ومن الشواهد التي بقيت عالقة في الذاكرة على حضوره العلمي وقدرته على التواصل مع البيئات الأكاديمية والمهنية المختلفة ، ما أتيح لي أن أشهده شخصيًا أثناء عملي الدبلوماسي في سفارة السودان في الأردن .

فقد زار البروفيسور مالك بدري الأردن ، في عام 2005م ، بدعوة من جامعة الزرقاء ، وحرصت بهذه المناسبة على دعوته لإلقاء محاضرة في بيت السودان ، اخترت أن يكون موضوعها حول الطب الموازي أو الطب البديل ، وهو موضوع يتصل باهتماماته الواسعة بقضايا الصحة والإنسان ، ويتجاوز في الوقت نفسه حدود تخصصه الأكاديمي المباشر .

وحرصت على أن يكون معظم الحضور من الأطباء والمتخصصين الأردنيين ، وليس من أبناء الجالية السودانية ، رغبةً في أن يصل صوت هذا العالم السوداني إلى دائرة مهنية وعلمية أوسع ، وأن يكون الحوار معه حوارًا بين أهل الاختصاص .

وقد كان اللقاء بالفعل لافتًا ؛ فقد بدا مالك بدري أمام الحاضرين متمكنًا ، واسع المعرفة ، حاضر البديهة ، قادرًا على وصل الموضوع الطبي بأبعاده النفسية والإنسانية والفكرية .

وكان ، كما عهدناه ، مبهرًا للحاضرين ، مبدعًا وفريدًا .

وحرصت كذلك على أن يقدم الندوة الدكتور سلطان بن موسى بن سليمان العويضة ، الذي كان آنذاك الملحق الثقافي السعودي في الأردن ، بعدما عرفت منه أنه من تلاميذ البروفيسور مالك بدري .

ولم تكن تلك المناسبة بالنسبة إليّ مجرد لقاء عابر مع أستاذ سوداني مرموق ، وإنما كانت تجربة شخصية أكدت لي أن مالك بدري كان يمتلك تلك القدرة النادرة على أن يجعل المعرفة حوارًا حيًا ، وأن ينتقل من التخصص إلى الفكرة ، ومن الفكرة إلى الإنسان ، دون أن يفقد دقته العلمية أو عمقه الفكري .

ولعل القيمة الأوسع لإرثه تتمثل في أنه أعاد طرح قضية الإنسان في قلب المشروع العلمي . ففي زمن تميل فيه بعض الاتجاهات إلى تجزئة الإنسان إلى وظائف وعمليات قابلة للقياس ، كان بدري يذكّر بأن الإنسان كائن مركب ، له عقل وجسد ووجدان وروح ، وأن تجاهل أحد هذه الأبعاد قد ينتج معرفة ناقصة مهما بلغت دقة أدواتها .

ومن هنا يمكن فهم مشروعه بوصفه أوسع من مجرد تأسيس « علم نفس إسلامي » ؛ فقد كان في جوهره محاولة لإعادة وصل العلم بالقيم ، والعقل بالروح ، والمعرفة بالأخلاق ، والفرد بالمجتمع ، والتراث بالحداثة .

وهذه القضية تكتسب أهمية خاصة في عالم عربي وإسلامي يواجه تحديات متزايدة في الصحة النفسية والتعليم والأسرة والشباب والهوية والتحولات الاجتماعية والثقافية .

كما أن إرثه يكتسب دلالة خاصة بالنسبة إلى السودان .

فأن يخرج من السودان عالم بلغ هذا الحضور العالمي في حقل من أكثر الحقول الإنسانية تعقيدًا ، ثم يسهم في تأسيس اتجاه علمي أصبح له حضور دولي ، هو جزء من الرصيد العلمي والحضاري للسودان الذي ينبغي ألا يضيع وسط أزماته الراهنة .

وليس تكريم مالك بدري مجرد احتفاء بشخصية علمية سودانية ، وإنما تذكير بأن السودان ظل قادرا رغم أزماته على إنتاج العقول التي تتجاوز حدود الجغرافيا وتشارك في تشكيل المعرفة الإنسانية .

ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لمالك بدري لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة سيرته أو إعادة طباعة كتبه أو إطلاق اسمه على قاعة أو مؤسسة فقط ؛ وإنما يكون بمواصلة الأسئلة التي حملها مشروعه ، وتطوير المجال الذي أسهم في تأسيسه ، وتشجيع الباحثين الشباب على بناء معرفة نفسية وإنسانية تنطلق من بيئتنا وثقافتنا ، دون أن تنعزل عن المنجز العلمي العالمي .

لقد كان مالك بدري ، في جانب مهم من مشروعه ، يقول إننا نستطيع أن نكون جزءًا من المعرفة العالمية دون أن نفقد هويتنا ، وأن نحاور العلم الحديث دون أن نتخلى عن منظومتنا القيمية ، وأن نستفيد من التراث دون أن نقع في أسر الماضي .

وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي يبقى بها مالك بدري حاضرًا بعد رحيله : أن العلم الذي يفقد الإنسان معناه قد يصبح معرفة بلا روح ، وأن الحضارة التي تفقد صلتها بالمعرفة تتحول إلى ماضٍ بلا مستقبل ؛ وأن المطلوب هو بناء معرفة تجمع بين صرامة العلم وعمق الإنسان .

ومن هذه الزاوية ، فإن الاحتفاء بمالك بدري ليس احتفاءً بالماضي بقدر ما هو دعوة إلى المستقبل ؛ مستقبل يستطيع فيه العقل المسلم أن ينتج المعرفة ، لا أن يكتفي باستهلاكها ، وأن يجعل من العلم وسيلة لفهم النفس وإصلاح الحياة وبناء الإنسان والمجتمع .

مالك بدري لم يكن مجرد عالم نفس سوداني ؛ بل كان أحد الذين فتحوا الباب أمام سؤال حضاري كبير : كيف نبني علمًا حديثًا يحاور العالم ، دون أن يفقد الإنسان روحه ومركزه في علم النفس ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى