المقالات

د. ياسر محجوب الحسين : شطحات مناوي

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في زمن صار فيه كل قائد حركة مسلحة يرى نفسه سفيرا فوق العادة، يطلّ علينا مني أركو مناوي بشطحاته المعتادة، تلك التي لا تعرف حدودا ولا اختصاصا ولا حتى تنسيقا. الرجل يتنقل بين العواصم كأنه وزير خارجية متجول، يعوّل على الخارج أكثر مما يعوّل على الداخل، ولكن افترضنا مناوي وزيرا للخارجية يستبد هذا السؤال: هل يمكن لزعيم مليشيا، أو قل لحركة «نضال مسلح» كما يحلو للبعض تلطيفا، أن يكون وزيرا للخارجية؟ المنطق يقول لا، لكن الشطحات لا تعترف بالمنطق.

لم تكتفِ الحركات المسلحة، ومنها حركة مناوي، بفوضى تحركاتها وسط المدن الآمنة وانتهاكاتها المتكررة للقانون ولحريات المواطنين؛ بل ذهبت أبعد من ذلك لتخريب السياسة الخارجية، وهي المسألة الأشد حساسية في أي دولة، فضلا عن دولة تمر بحرب وجودية. سبق لمناوي أن طالب بتعديل حدود الولاية الشمالية مع شمال دارفور، ليصبح لإقليمه منفذ دولي مباشر مع مصر وليبيا. فكرة تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تكشف رغبة في إعادة رسم الخريطة وفق مزاج الحركة لا وفق مصلحة الدولة. واليوم يذهب إلى جوبا، يتحدث عن مخططات تهجير السكان في دارفور وكردفان، ويحذّر من تغيير التركيبة السكانية. موقف مبدئي سليم في جوهره، غير أنّه يصبح انتقائيا حين يُغفل الشمال نفسه، وكأن حقوق السكان هناك أقل أهمية أو كأن الأرض هناك فراغ يمكن ملؤه متى شاءت الحركات.

والأدهى أن هذه التحركات تتم بلا تنسيق واضح مع وزارة الخارجية أو حتى مع مجلس السيادة. في أحسن الأحوال، رسالة واتساب إلى البرهان: «أنا ماشي جوبا». والبرهان، الذي رفض مؤخرا دعوة سيلفا كير لزيارته، لا يسأل حتى: ماذا ستفعل هناك؟ فهل مناوي يتحرك بانتهازية صرفة، أم أن هناك تبادلا للأدوار يتم بعلم الأخير؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: ظلّ الدولة يتهاوى، ومؤسساتها تُهان في الخارج قبل الداخل.

في جوبا يتحدث الرجل عن تسهيل حركة المواطنين، وعن الدخول بلا تأشيرة، وعن قضايا سيادية بحتة. بأي صفة؟ هل هو ممثل الدولة أم قائد حركة كانت متمردة ثم صارت جزءا من المشهد؟ الخطاب الذي يصدر منه يصل إلى الخارج كموقف سوداني رسمي، بينما هو في الحقيقة صوت حركة واحدة. الدولة لا يمكن أن تتحدث بأصوات متعددة في الملفات الخارجية. تعدد المتحدثين باسم السودان ليس ديمقراطية، بل فوضى تُحمّل الشعب مواقف لم يخترها.

الفترة الأخيرة شهدت عددا غير مسبوق من وزراء الخارجية، كلّ منهم يغادر حين يجد «الحكاية جبانة هايصة». والله يعين الوزير الحالي، فهو يواجه ليس فقط تحديات الحرب، مثل هذه الشطحات تجعل السياسة الخارجية ملعب هواة. السودان أكبر من أي حركة وأكبر من أي قائد. بناء الدولة يبدأ بتوحيد الخطاب الخارجي، لا بتعدد القنوات الدبلوماسية الخاصة. أما ترك المساحات مفتوحة للاجتهادات الفردية، فلن ينتج سوى مزيد من الالتباس ومزيد من إضعاف هيبة الدولة في أصعب أوقاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى