عمرو منير دهب يكتب : الفرق بين العجوز والعجوزة

nasdahab@gmail.com
يتباين موقفنا من الكِبَر بتباين أعمارنا، من الطفولة إلى الصبا فالشباب فالكهولة فالشيخوخة، وأداة العطف “الفاء” ليست سوى لتأكيد أن المراحل المذكورة من عمر الإنسان يفضي بعضها إلى بعض في لمح البصر، حتى إذا كان ذلك يتأكّد للمرء فقط عندما يصبح عجوزاً.
في مراحل الطفولة الباكرة والصبا – بل حتى بواكير الشباب – يتوق الواحد إلى أن يصبح أكبر سنّاً لسببين ليسا متناقضين بالضرورة وإن بدوا مغريين بالنظر إليهما على أنهما كذلك: أن ينعم بقدر أكبر من الحرية وأن يحظى بحظ أوفر من السلطة.
هذا عن موقفنا من الكبر انطلاقاً من أعمارنا، فماذا عن موقفنا من المأزق نفسه انطلاقاً من تبايننا النوعي ذكوراً وإناثاً؟ برغم أن المسألة تبدو أكثر إثارة بالنظر إليها من المنطلق الأخير فإن الواقع ربما يرجّح عكس ذلك، نحن أكثر حساسية تجاه الكبر فيما يبدو لبواعث تتعلّق بالعمر نفسه أكثر مما تتعلّق بالجنس.
ولكن ما يرتبط بالجنس من بواعث القلق بداعي التقدّم في العمر لا يخلو من الإثارة بحال، وإذا اشتهر عن المرأة أنها أكثر قلقاً على نفسها من التقدّم في العمر فالمقصودة هي المرأة في سن الشباب، وبقدر أعلى من الدقة المرأة بُعيد الشباب وأثناء الكهولة، فحوّاء الشابة منشغلة بأوْج جاذبيتها وبالمقبل من العمر والأحلام بما يكفي لإلهائها عن القلق من شيخوخة لا يبدو أيٌّ من مؤشراتها وشيك الحدوث.
أما آدم فلم يكن من شِيَمه على ما يبدو فيما مضى من الحقب والأجيال أن ينشغل بالقلق على شبابه من الزوال والبحث عن البراهين التي تؤكِّد أنه بمنأى من الهرم، ولكنه أصبح كذلك على الأرجح.
وربما كان آدم من قبلُ كذلك لكن لم يكن مسموحاً له أن يصرِّح بمشاعر كتلك كون تصريحه إشارة إلى ضعف وخوف من قبيل ما، والضعف والخوف – على أي صعيد – لم يكونا مما يليق برجل أن يشعر بأيٍّ منهما فضلاً عن الجهر بذلك الشعور.
هل بات إعلان الرجل عن خوفه من الكبر أمراً مشروعاً والحال كتلك؟ الأرجح نعم ولكن بتحفّظ، والتحفّظ لا يشير سوى إلى دهاء آدم حين يكسو تعبيرَه عن القلق من الكِبَر مسحةً من سخرية في واحد من المواقف (النادرة؟) التي تفوّقت فيها حواء على خصمها اللدود بشجاعة المواجهة، فهي لا تحتمل الوقوف أمام اتهامات الكِبَر بأي قدر من المزاح وإنما بجدية مباشرة.
ولكن آدم لا يقرّ بالهزيمة على هذا الصعيد بسهولة، فمما يسرّه أن يواصل اتّهام حواء بخفّة العقل فيما يمكن أن يُقرأ على أنه محض شجاعة في مواجهة المشاعر الإنسانية المخجلة، ودليل آدم هنا أن حوّاء ربما تعلن بالفعل عن رغبة صادقة (في بقائها أقلّ عمراً) ولكن عند النظر إلى الموضوع من منطلق الحقائق (والتفسير لا يزال لآدم) فأغلبه محض كذب لأن حواء لا تصحِّح معلومة مغلوطة بقدر ما تزوّر حقيقة ثابتة في أغلب مجادلاتها حول عمرها.
غير أن إنكار الحقيقة بادّعاء الصغر أكثر حرجاً (وتخفيفاً لا أقول أكثر خِزياً) للرجال مهما تكن المبرّرات، ومبرّرات الرجال نفسها على هذا الصعيد لا يخلو بعضها من الأهمية والحرج من إعلانه على كل حال، حتى إذا استأثرت النساء بحظ أوفر من قبول مغالطاتهن على هذا النطاق من جانب الجميع، رجالاً ونساءً.
ماذا إذن عندما لا يصبح ثمة مفرّ من الإقرار بالكبَر؟ إذا كانت تلك بدايات الشيخوخة فالأرجح أنه سيكون هناك متّسع للجدال ليس حول الصِّغر عموماً وإنما حول الأصغر سنّاً بين بنات وأبناء الجيل الواحد، ولكن مع مراحل الشيخوخة المتقدمة يتقهقر النشاط نحو التصابي عموماً والمقارنات العمرية بشكل خاص التهاءً بما يلقيه الكبَر محضاً في روع كل عجوز وعجوزة حتى يعود الاثنان إلى درجة عالية من التقارب في الدوافع والانفعالات النفسية الأدنى شبهاً بنقطة البداية لكل منهما.





