البحر الأحمر..أولويات تثير التساؤلات ..ماذا يحدث في أروقة الحكومة!!

كتب – عبدالقادر باكاش
أسطول جديد.. وأولويات تثير التساؤلات
طرحت حكومة ولاية البحر الأحمر عطاءً لشراء خمس عشرة عربة «بوكس» موديل 2026 لتوزيعها على شاغلي مناصب مديري عموم الوزارات والمديرين التنفيذيين للمحليات وتُعد هذه الدفعة الثانية من مشتريات السيارات الحكومية خلال العام الجاري بعدما اشترت الولاية نحو ثلاثين سيارة إذ دشن السيد الوالي الدفعة الأولى من السيارات الحكومية الجديدة في فبراير 2026 والتي شملت عشرين عربة من طراز «آي تن جراند» (Grand i10) موديل 2026 فيما دشن في منتصف أكتوبر الماضي عشر سيارات أخرى.
توقيت هذا الإنفاق وطبيعته أثارا لديّ تساؤلات مشروعة بل شيئاً من الاستفزاز إزاء الفجوة الواسعة بين أولويات الحكومة وأوجاع المواطنين في ولاية يرزح سكانها تحت وطأة الضائقة المعيشية وتدهور الخدمات وارتفاع تكاليف الحياة.
مواجهة في مكتب الوالي.. هل اختلت الأولويات؟
من هذا المنطلق طلبت من والي البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود مقابلته في مكتبه للوقوف على حقيقة الأمر ومناقشة دوافع هذا الإنفاق ، وقد تكرم مشكوراً بالموافقة على لقائي الذي تم يوم الاثنين الثاني من نوفمبر الحالي واستمع إلى وجهة نظري بوصفـي صحفياً معنياً بمراقبة الأداء الحكومي ومساءلة السلطة التنفيذية لا سيما في ظل غياب المجلس التشريعي الذي يفترض أن يضطلع بدوره الرقابي.
قلت للوالي بوضوح إن توقيت شراء مزيد من السيارات قرار غير موفق وإن حكومته تبدو وكأنها تعاني اختلالاً في ترتيب أولويات الإنفاق العام. فكيف يمكن تبرير التوسع في شراء السيارات الحكومية، بينما يعاني مواطنو الولاية وموظفو الخدمة المدنية على وجه الخصوص من تدني الأجور وتآكل قيمتها أمام الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية، فكيف يُطلب من سكان الأرياف الصبر على قسوة الظروف المعيشية وارتفاع تكاليف الحصول على أبسط احتياجاتهم في وقت تتسع فيه مخصصات الإنفاق على الكماليات الحكومية؟.
الوالي يدافع.. وضرورات العمل حاضرة
للأسف بدا السيد الوالي منزعجاً من التنبيه وسارع إلى تقديم دفوعات ومبررات موضحاً أن حكومة الولاية لم تشترِ سيارات جديدة للمديرين العامين منذ عام 2017 وأن طبيعة عملهم تقتضي التنقل المستمر بين مقار الوزارات والوحدات التابعة لها في المحليات والأرياف المتباعدة فضلاً عن أن السيارات الموجودة حالياً لم تعد تفي بمتطلبات العمل.
استمعت إلى مبرراته لكنني لم أجد فيها ما يكفي لتبديد مشروعية التساؤل عن حجم الإنفاق وتوقيته. وقلت له إن الحاجة إلى وسائل الحركة لا تعني بالضرورة شراء خمس عشرة سيارة دفعة واحدة وإنه كان بالإمكان اعتماد خيار أكثر اقتصاداً بشراء عدد محدود من العربات وتخصيصها للمأموريات الرسمية بما يحقق الغرض الإداري ويخفف الضغط على المال العام بدلاً من التوسع في شراء أسطول جديد بتكلفة باهظة.
فالمسألة في تقديري ليست إنكاراً لحاجة المديرين إلى سيارات تعينهم على أداء واجباتهم وإنما تتعلق بمدى تناسب تلك الحاجة مع الظروف الاقتصادية التي تمر بها الولاية وبقدرة الحكومة على التمييز بين الضروري والعاجل، وبين ما يمكن تأجيله إلى حين تحسن الأوضاع.
*الطرق الداخلية.. الجازولين يعطل الوعود*
وامتد النقاش إلى ملف الطرق الداخلية التي دشنتها حكومة الولاية مطلع العام الجاري، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن. وسألته عن أسباب تعثر مشروعات كان المواطنون ينتظرون أن تنعكس على واقعهم الخدمي. وأوضح الوالي أن انعدام الجازولين حال دون تمكن الشركات من تنفيذ عقود سفلتة الطرق الداخلية.
وهنا تبرز مفارقة أخرى تستحق التأمل: إذا كان شح الوقود يعطل مشروعات الطرق، ويحول دون تنفيذ التزامات تعاقدية ينتظرها المواطنون، فكيف ينبغي للحكومة أن ترتب إنفاقها ومشروعاتها في ظل هذه الظروف؟ وأيّهما أولى بالتقديم: تجديد السيارات الحكومية أم تهيئة الظروف لاستكمال البنية التحتية والخدمات الأساسية؟
*ما بعد اللقاء.. معلومات تستحق التوقف*
لم يكن اللقاء مجرد تبادل للآراء بل كان مواجهة ساخنة حول مفهوم الأولويات ومسؤولية الحكومة تجاه المال العام فبعد مغادرتي مكتب الوالي أجريت اتصالات وزرت عدداً من الإدارات ذات الصلة سعياً لاستكمال الصورة وعدم الاكتفاء بما دار في اللقاء.
وقد علمت أن صيانة السيارات الحالية المخصصة للمديرين العامين تستنزف مبالغ مالية كبيرة وهو أمر ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم قرار الشراء لكنه لا يعفي الحكومة من واجب المقارنة بين التكلفة الكلية لشراء المركبات الجديدة مع كلفة صيانة العربات الموجودة وتقديم ما يثبت أن الخيار المتخذ هو الأكثر جدوى اقتصاديا.
*ألف جوال ذرة لكل محلية.. خطوة في الاتجاه الصحيح ولكن ؟*
كما علمت أن حكومة الولاية صادقت على توفير ألف جوال من الذرة لكل محلية من محليات الولاية وأنها أوفدت مناديب إلى مدينة القضارف لشراء الكميات المجازة من المخزون الاستراتيجي تمهيداً لترحيلها إلى الولاية خلال الأيام المقبلة.
وهي خطوة تستحق الإشادة والتقدير إذا ما نُفذت وفق ما أُعلن ووصلت الكميات إلى مستحقيها بأسعار مناسبة لكن ذلك يفتح بدوره باباً للسؤال عن مدى كفاية هذه الكميات وآليات توزيعها و أثرها في تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
ليست المشكلة في السيارات.. بل في ترتيب الأولويات
لسنا ضد توفير المعينات التي تمكن المسؤولين من أداء واجباتهم ولسنا ممن يطالبون بتعطيل دولاب الدولة أو حرمان مؤسساتها من احتياجاتها الضرورية. لكننا نؤمن بأن المسؤولية العامة تفرض على الحكومة أن تكون أكثر حساسية تجاه معاناة الناس، وأكثر شفافية في تبرير قرارات الإنفاق وأن تقدم الضرورات التي تمس حياة المواطنين على الكماليات التي يمكن تأجيلها.
فالسيارة الحكومية وسيلة لأداء العمل وليست امتيازاً ينبغي أن يتقدم على حق المواطن في الحصول على خدمات الطرق والماء والكهرباء والغذاء والخدمات الأساسية لأن النجاح الإداري لا يُقاس بعدد السيارات التي تدخل مقار الوزارات وإنما بما تنجزه الحكومة على الأرض وبما يشعر به المواطن من تحسن في حياته اليومية.
ونواصل..










