السفير / رشاد فراج الطيب : الطريق إلى بناء التحالفات لا يبدأ من الخارج
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
طول المكوث في المنطقة الرمادية يفقد عناصر القوة فعاليتها !
منذ اندلاع الحرب في السودان ، ظل سؤال يتردد على ألسنة كثير من السودانيين : أين الأصدقاء ؟ وأين الحلفاء ؟ ولماذا يبدو السودان وحيداً في مواجهة هذه المحنة الكبرى ؟
ورغم مشروعية هذا السؤال ، فإن الإجابة عنه تتطلب النظر إلى القضية من زاوية مختلفة .
فالمشكلة ليست في غياب الأصدقاء بقدر ما هي في فهم طبيعة العلاقات الدولية نفسها ، فالدول لا تبني تحالفاتها على العواطف أو المجاملات ، وإنما على المصالح والقوة والقدرة على التأثير .
ولهذا فإن الطريق إلى بناء التحالفات لا يبدأ من الخارج ، بل يبدأ من الداخل .
ففي عالم السياسة الدولية ، لا تبحث الدول عن الضعفاء لكي تحمل أعباءهم ، وإنما تبحث عن شركاء يمتلكون عناصر القوة والاستقرار والقدرة على الإسهام في تحقيق المصالح المشتركة.
وكلما ازدادت قوة الدولة وتماسكها ، ازدادت قدرتها على جذب الحلفاء وكسب الاحترام .
لقد منح الله السودان من المقومات ما يؤهله ليكون قوة إقليمية مؤثرة ، فهو يتوسط ملتقى العالم العربي وأفريقيا ، ويشرف على البحر الأحمر ، أحد أهم الممرات البحرية العالمية ، ويجاور سبع دول ، ويقع في قلب منطقة تشهد تنافساً إقليمياً ودولياً متزايداً.
كما يمتلك السودان ثروات زراعية ومائية ومعدنية هائلة ، إضافة إلى طاقات بشرية كبيرة وخبرات تراكمت عبر عقود طويلة.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الموارد وحدها لا تصنع القوة ، وأن الموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا عجزت الدولة عن توظيفه في خدمة مشروعها الوطني .
فعلى امتداد عقود طويلة ، استنزفت الحروب الأهلية والصراعات السياسية والانقلابات والأزمات الاقتصادية جزءاً كبيراً من طاقات السودان وفرصه في التقدم والازدهار .
كما أدت الانقسامات الحزبية والأيديولوجية والجهوية إلى إضعاف قدرة الدولة على بناء رؤية وطنية جامعة تستوعب التنوع وتحوله إلى مصدر قوة .
وفي الوقت نفسه ، شهدت السياسة الخارجية السودانية تقلبات متكررة بين محاور واتجاهات مختلفة ، الأمر الذي أضعف الثقة في استقرار توجهاتها الاستراتيجية كما أن المكوث المتطاول في المنطقة الرمادية أو الضبابية ربما أفقد السودان كثيرا من الفرص فضلا عن أن ذلك قد يؤدي الي فقدان تلك الكروت قيمتها وفعاليتها وربما صلاحيتها اذا لم تستخدم في الأوقات المناسبة !
لأن حاجة الآخرين الي مانملكه لاتبقي الي الأبد ، إذ إن أولئك
الآخرين سيجدون البدائل أو يكيفون أنفسهم علي عدم الحاجة إليك .
فالدول تميل إلى بناء علاقات طويلة الأمد مع شركاء يمكن التنبؤ بسلوكهم ، لا مع أطراف تتغير أولوياتها باستمرار .
ومن هنا تبدو الحرب الحالية كاشفةً لحقيقة مهمة ؛ فالسودان ليس دولة هامشية أو منسية ، بل على العكس تماماً ، فموقعه وثرواته جعلاه محط اهتمام قوى إقليمية ودولية عديدة .
غير أن هذا الاهتمام لم يتحول بالضرورة إلى دعم لاستقراره ، لأن أكثر الأطراف تنظر إلى السودان من زاوية مصالحها الخاصة ، لا من زاوية مصلحة الشعب السوداني .
لقد كشفت الحرب عن حجم التنافس على السودان ، وكشفت كذلك عن أطماع تتعلق بموارده الزراعية والمعدنية وموقعه البحري الاستراتيجي .
وفي عالم المصالح ، قد ترى بعض القوى أن استمرار الضعف والانقسام يحقق لها منافع أكثر مما يحققه استقرار دولة قوية وموحدة .
كما أظهرت الحرب حقيقة أخرى لا تقل أهمية ، وهي أن المجتمع الدولي لا يتحرك دائماً وفق الاعتبارات الإنسانية وحدها .
فالتجارب الدولية تثبت أن إنهاء النزاعات الكبرى غالباً ما يرتبط بحسابات المصالح والتوازنات الاستراتيجية أكثر من ارتباطه بحجم المعاناة الإنسانية .
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس : لماذا لم يهب الآخرون لإنقاذ السودان ؟
بل : ماذا فعل السودان ليصبح استقراره مصلحة مشتركة للآخرين ؟
إن الدول القوية لا تُحمى فقط بالسلاح ، وإنما تُحمى أيضاً بمؤسساتها الراسخة ، واقتصادها المنتج ، ووحدة مجتمعها ، ووضوح رؤيتها الوطنية .
وعندما تمتلك الدولة هذه المقومات فإنها تتحول من عبء على الآخرين إلى شريك يسعى الآخرون إلى التقرب منه .
ولهذا فإن بناء التحالفات الحقيقية يبدأ من الداخل عبر مشروع وطني متكامل يقوم على :
– بناء دولة المؤسسات والقانون .
– إنهاء الانقسامات والصراعات الداخلية .
– بناء توافق وطني واسع حول القضايا الكبري .
– استثمار الموارد الوطنية بكفاءة وعدالة .
– بناء اقتصاد منتج ومستقل وقادر علي بناء الشراكات مع الآخرين .
– تطوير الجيش الوطني النظامي ومؤسسات الدولة الحديثة .
– صياغة سياسة خارجية متوازنة قائمة على المصالح الوطنية ووضوح الرؤية واستقرار الأهداف .
– توظيف القوة الناعمة السودانية في محيطها العربي والأفريقي والإسلامي .
فحين ينجح السودان في بناء هذه الأسس ( عناصر القوة ) ، لن يصبح مجرد ساحة للتنافس الإقليمي والدولي ، بل سيتحول إلى طرف مؤثر في هذا التنافس .
إن الأمم لا تُقاس بما تختزنه أرضها من ثروات فحسب ، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى قوة ونفوذ ومكانة .
والسودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله لذلك ، لكنه ما زال بحاجة إلى مشروع وطني جامع يحول الإمكانات الكامنة إلى واقع ملموس .
لذلك فإن الطريق إلى بناء التحالفات لا يبدأ من العواصم الأجنبية ، ولا من البحث عن أصدقاء في الخارج ، بل يبدأ من الخرطوم نفسها ، ومن قدرة السودانيين على بناء دولة قوية مستقرة وموحدة .
وعندما ينجح السودان في ذلك ، لن يسأل أحد : أين الحلفاء ؟
لأن الحلفاء سيأتون إليه ، لا بحثاً عن مساعدته فحسب ، بل بحثاً عن الشراكة معه .
فالقوة ثم المصالح هي اللغة التي يفهمها العالم ، والدول القوية وحدها هي التي تستطيع أن تصنع المصالح ثم الأصدقاء والحلفاء وتحافظ عليهم .





