المقالات

السفير رشاد فراج الطيب: من يصنع طعامنا… ومن يبيعه لنا.. وهل تنجح ثورة الطيبات ؟

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

ظل هذا السؤال يلح عليّ منذ سنوات : من يصنع طعامنا ؟ ومن يبيعه لنا ؟ ومن يراقب ما نأكل ونشرب ؟ ومن يحمي صحة الناس من الغش والإهمال والجشع ؟

لم يعد الطعام في عصرنا مجرد وسيلة لسد الجوع أو تلبية حاجة بيولوجية ، بل أصبح قضية تتصل بصحة الإنسان وأمن المجتمعات واستقرار الدول .

فكل يوم تتكشف حقائق مقلقة حول أغذية ملوثة ، ومنتجات مغشوشة ، ومواد حافظة ومضافات كيميائية مجهولة الآثار بعيدة المدى ، فضلاً عن الجدل المتصاعد حول الأغذية المعدلة وراثياً وما تثيره من أسئلة علمية وأخلاقية وصحية .

وما يراه الناس بأعينهم في بعض الأسواق والمطاعم ومصانع الأغذية لا يقل خطورة عن ذلك .

فمخالفات معايير التصنيع والتخزين والحفظ والنقل والعرض والتقديم أصبحت ظاهرة يصعب إنكارها .

وفي ظل ضعف الرقابة أو قصورها في بعض الأحيان ، تحولت هذه التجاوزات إلى تهديد حقيقي لصحة الإنسان لا يجوز السكوت عليه أو التقليل من شأنه .

لقد عرف الإنسان عبر معظم تاريخه غذاءً بسيطاً قريباً من الطبيعة ، يعتمد على الزراعة المحلية والمنتجات الطازجة قليلة المعالجة .

غير أن الثورة الصناعية وما تبعها من تطور هائل في تقنيات التصنيع والحفظ والنقل أدت إلى ظهور صناعة غذائية عالمية ضخمة نجحت في توفير الغذاء لمليارات البشر ، لكنها أدخلت في الوقت نفسه أنماطاً جديدة من الاستهلاك تعتمد على الأغذية فائقة التصنيع والمواد المضافة والمنكهات والمحسنات الكيميائية .

وبينما حققت هذه الصناعة إنجازات كبيرة في مكافحة الجوع وزيادة الإنتاج ، فإنها أفرزت في المقابل تحديات صحية معقدة .

ومع تزايد معدلات الأمراض المزمنة في مختلف أنحاء العالم ، بدأ كثير من الباحثين والأطباء يتساءلون عن العلاقة بين نمط الغذاء الحديث وصحة الإنسان ، وظهرت دعوات متزايدة للعودة إلى مفهوم الغذاء الطبيعي أو ما يمكن تسميته بـ« الطيبات » ، أي الطعام المعروف المصدر ، السليم المكونات ، المتوازن في إنتاجه واستهلاكه .

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس مجرد تلوث بعض الأغذية أو غش بعض المنتجات ، وإنما اهتزاز الثقة في المنظومة الغذائية نفسها .

فقد أصبح المستهلك العادي عاجزاً عن معرفة ما يحتويه كثير من الطعام الذي يتناوله يومياً ، أو كيفية إنتاجه ، أو الظروف التي جرى فيها تصنيعه وحفظه .

ولم يكن من المستغرب ، والحال كذلك، أن تتصاعد موجات النقد والغضب تجاه الأنظمة الصحية والغذائية السائدة ، وأن تظهر أصوات من داخل المؤسسات الطبية نفسها تدعو إلى مراجعة كثير من المسلمات التي استقرت لعقود طويلة .

وفي هذا السياق برز الدكتور ضياء العوضي بوصفه أحد اقوي الأصوات المثيرة والثائرة ، حيث خرج من داخل المنظومة الطبية ذاتها موجهاً انتقادات حادة لكثير من الأنماط الغذائية المعاصرة ، ومحذراً من آثارها الصحية ، ومبشراً بما أسماه « نظام الطيبات » .

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع جميع أطروحاته ، فإن الظاهرة تستحق التأمل نسبة لانتشارها الكبير وصداها الواسع .

فالأفكار الثائرة لا تنشأ عادة في أوقات الاستقرار والرضا ، وإنما تظهر عندما يشعر الناس بأن المشكلات تتفاقم وأن الإجابات التقليدية لم تعد كافية .

فالسؤال الحقيقي ليس : لماذا دعا بعض الأطباء إلى العودة إلى « الطيبات » ؟ وإنما : لماذا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الناس يشككون في كثير مما يعرض عليهم من غذاء ؟ ولماذا تنامت المخاوف من الطعام أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى ؟

إن جزءاً من الإجابة يكمن في هيمنة المنطق التجاري على قطاع الغذاء العالمي ، فكلما اتسعت الأسواق وتعاظمت الأرباح اشتدت المنافسة على خفض التكاليف وزيادة الإنتاج وإطالة عمر المنتجات ، وهو ما يفتح الباب أحياناً أمام ممارسات لا تجعل صحة الإنسان أولوية مطلقة .

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للمنظومة الغذائية ، ليس من باب معاداة العلم أو التكنولوجيا أو الصناعة الحديثة ، وإنما من باب إعادة التوازن بين متطلبات السوق وحقوق الإنسان في غذاء آمن وصحي ونظيف .

بل وتبرز الحاجة أكثر الي إعادة تعريف وتوسيع مفهوم الأمن الغذائي ليتعدي فكرة توفير الغذاء الي الجميع ليشمل الحرص علي انتاج الغذاء الآمن والصحي الصالح للاستهلاك الآدمي وفق معايير صحية وشفافة .

إن العالم بحاجة إلى ثورة أخلاقية في مجال الغذاء ، تعيد الاعتبار لقيمة الأمانة في الإنتاج والتصنيع والتوزيع ، وتمنح المستهلك الحق في المعرفة والاختيار ، وتفرض أعلى درجات الشفافية والرقابة والمحاسبة .

فالطعام ليس مجرد سلعة تباع وتشترى ، بل هو أساس الحياة ومصدر الصحة والعافية ، وكل إخلال بمعايير سلامته هو إخلال بحق الإنسان في الحياة الكريمة .

ويبقى السؤال قائماً أمام الحكومات والشركات والجهات الرقابية والمنتجين والمستهلكين على حد سواء : هل أصبح هدفنا إطعام الناس بأي ثمن ؟ أم إطعامهم طعاماً طيباً يحفظ صحتهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم ؟

ذلك سؤال لا يتعلق بما نأكل اليوم فحسب ، بل بما سيكون عليه حال الإنسان غداً .

ختاما لابد من ذكر أن للسودان فرصة كبيرة وساحة لإنتاج الغذاء والغذاء الصحي والعضوي

من الأنعام واللحوم والطيور الي الحبوب والخضروات والاستثمار في حاجة العالم العربي والعالم والفجوة الكبيرة في الغذاء .

حيث تشير المنظمة العربية للتنمية الزراعية الي أن الفجوة الغذائية في المنطقة العربية وحدها تتراوح ما بين ٣٠ الي ٣٨ مليار دولار سنويا ، فما بالك بالفجوة علي مستوي العالم !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى