
متابعات | تسامح نيوز
كتب- علي الهاشمي
ليس هذا مقالاً سياسياً عابراً،
ولا هو محاولة لجلد الذات،
بل صرخة في وجه تاريخٍ يتكرر كأنه لم يُقرأ.
السودان يا سادتي ليس بلداً طارئاً على الجغرافيا.
هو أرضٌ علّمت النيل معنى الجريان،
وعلّمت الحضارة معنى البقاء.
من كوش ومروي إلى سنار والمهدية(خيرها وشرها)
كنا أمةً تعرف كيف تقوم…
لكننا لم نتعلم كيف نحافظ على قيامنا.
الآية التي يجب أن نتعلم منها قوله تعالى:
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 115)
حين تنزل المائدة، يسقط العذر.
وحين تقوم الحجة، يصبح التكرار جريمة.
لقد قامت علينا الحجج:
رأينا الانقلابات ومآلاتها… فأعدناها.
رأينا عسكرة السياسة… فباركناها.
رأينا الفساد يأكل الدولة… فتصالحنا معه.
رأينا الإفلات من العقاب يلدغنا… فقدس ومٓجٓدٓ بعضنامن قام بهِ بل تمنى بعضنا عودة كثير من الفاسدين إلى سدة الحكم .
أي آيةٍ ننتظر بعد هذا؟
قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)
وقال:
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2)
الاعتبار ليس حفظ النصوص،
بل تغيير المسار.
المشكلة ليست في الأشخاص… بل في المنهج
كل مرحلة في السودان تبدأ بخطاب إنقاذ،
وتنتهي بخيبة أمل.
كل فريق يصل إلى السلطة وهو يتحدث عن أخطاء من سبقه،
ثم يقع في الأخطاء ذاتها.
لم نسمع مشروعاً متكاملاً لبناء دولة مؤسسات،
سمعنا فقط سرداً وحكايات وقصص عن فشل الآخرين.
السياسي يُعرّف نفسه بنقيض خصمه،وتصيد أخطاءه المعلومة والمجهوله والتي هي في ظهر الغيب.،،
لا برؤيته للوطن.
نحن لا نُدير دولة،
نحن نُدير خصومات.
قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
لكننا حولنا الرعاية إلى غنيمة،وإرث شخصي
وحولنا المسؤولية إلى سلطة، تُدار وفقاً لأهوائنا وعلاقاتنا ورغباتنا الإيمانية والشيطانية، ما علمنا منها وما لم نعلم،فنحن في مأمن من المحاسبة والعقاب في الدنيا،، بل يصل بعضاً منا الإطمئنان لحساب الآخرة ويحسب نفسه من الخالدين في الجنة!!!
نحن لا نتعلم من الأمم حولنا التي سقطت… ثم نهضت لأنها تعلمت.
ألمانيا بعد الح رب العالمية الثانية لم تقل: (المؤامرة علينا)
بل وقفت أمام مرآتها في محاكمات نورمبرغ،
وقالت: أخطأنا… وسنحاسب.
اليابان بعد هيروشيما لم تبكِ على الأطلال طويلاً،
بل جعلت من الانضباط والعمل فلسفة وجود.
رواندا بعد الإبادة لم تستسلم لثأرٍ دائم،
بل أسست مساراً للعدالة والمصالحة.
لم يكن سرهم في أنهم بلا أخطاء،
بل في أنهم لم يكرروا الخطأ نفسه.
أما نحن…
فنُلدغ من الجحر ذاته،1000 مرة
ونتجادل حول من يتحمل اللدغة.
سنة الله لا تحابي أحداً
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)
هذه ليست آية وعظية،
بل قانون حضاري.
ابن خلدون قال:
(الظلم مؤذن بخراب العمران).
وقال المفكر الجزائري مالك بن نبي:
(قابلية الاستعمار تنشأ حين يفقد المجتمع مناعته الداخلية).
والسؤال المهم:هل نحن كسودانيين نلنا إستقلالنا( فعلياً)؟؟؟؟
أدرك انه سؤال صعب،، والإجابة أصعب.
لسنا ضحية مؤامرة فقط،
بل ضحية عجزنا عن بناء مناعة الدولة.
هل نتعلم الآن؟
إن لم نتعلم الآن، فمتى؟
بعد كم ح رب؟
بعد كم جيل ضائع؟
بعد كم فرصة تُهدر؟
إن لم نتعلم الآن،
ستصبح المأساة روتيناً،
والانهيار خبراً عادياً،
وسنربي أبناءنا على التعايش مع الفشل.
هذه الح رب ليست مجرد صراع سلاح،
بل إنذار أخير، يجب أن يصل لكل من يتصدر الأمر العام دون فرز.
إما أن نؤسس دولة قانون تعلو فيها المؤسسات على الأشخاص،
وإما أن نعيد إنتاج الوجوه بذات المنهج.
الخاتمة… التي لا نريد تأجيلها
السودان لا يحتاج بطلاً جديداً،
ولا خطاباً أعلى صوتاً،
ولا تحالفاً أوسع ضجيجاً.
يحتاج فكرة واضحة:
دولة تُحاسِب،
لا دولة تُجامِل.
مؤسسات تبقى،
لا أشخاص يزولون.
قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44)
إن كانت هذه اللحظة آيةً،
فلا تكفروا بها بتكرار الخطأ.
فالأمم لا تسقط لأنها تجهل فقط
بل لأنها ترى الحقيقة واضحة…
ثم تختار أن تدير ظهرها لها.




