أخبار

حاتم حسن أحمد: مطار الخرطوم الجديد.. الأهمية، الجدوى، وتداعيات التأخير!

متابعات | تسامح نيوز 

حاتم حسن أحمد: مطار الخرطوم الجديد.. الأهمية، الجدوى، وتداعيات التأخير!

 

حاتم حسن أحمد

مقدمة

 

حاتم حسن أحمد: مطار الخرطوم الجديد.. الأهمية، الجدوى، وتداعيات التأخير!

يُعَدّ مشروع مطار الخرطوم الدولي الجديد واحدًا من المشاريع الاستراتيجية التي تم اقتراحها منذ سنوات، ويُنظر إليه كمحرك تنموي محتمل للسودان، لما يمكن أن يحقّقه من تنمية في البنية التحتية، حركة النقل الجوي، التجارة، وتوليد فرص العمل. لكن المشروع تعرّض لتأخيرات وتعثّر في التنفيذ لعدة أسباب، مما أثّر على الأداء الاقتصادي والتنموي الوطني. في سياق إعادة الإعمار بعد سنوات الأزمات، يصبح من المهم إعادة تقييم المشروع وإمكانية استئنافه.

أولًا: ما هو مشروع مطار الخرطوم الجديد؟

المطار يقع جنوب أم درمان، على بعد حوالي 40 كم من مركز الخرطوم.

التصميم المقترح كان يتضمن مدرّجين بطول نحو 4000 متر، ومساحة صالات كبيرة، تجهيزات متكاملة للركاب والبضائع، وفندق دولي، ومرافق صيانة للطائرات، وربما مركز مؤتمرات وغيرها.

تم توقيع عدة اتفاقيات تمويلية مع جهات عربية ودولية، منها البنك الإسلامي للتنمية، الصندوق العربي للتنمية، الصين وغيرها.

من الأهداف المعلنة أن يستوعب 7 ملايين مسافر في البداية، وقد تُوسّع السعة فيما بعد لتصل إلى نحو 12 مليون مسافر سنويًّا.

حاتم حسن أحمد: مطار الخرطوم الجديد.. الأهمية، الجدوى، وتداعيات التأخير!

ثانيًا: أهمية المشروع وجدواه الاقتصادية

1. تعزيز الربط الدولي والتجارة

مطار دولي حديث يُمكِّن السودان من استقطاب المزيد من خطوط الطيران الدولية، وتسهيل حركة الشحن الجوي للبضائع، مما يقلل تكاليف النقل الزمني واللوجستي، ويُسهّل التبادل التجاري مع أفريقيا، الشرق الأوسط، وأوروبا.

2. تخفيف ضغط المطار الحالي

المطار القائم يعاني من تجاوزات سكانية حوله، وقربه من الأحياء السكنية مما يُشكّل مخاطر أمنية وحضرية. كما أن قدراته الفنية والتوسعية محدودة.

3. فرص العمل وتنمية الصناعات المرتبطة

إنجاز المطار يتطلّب عمالة متعدد التخصصات، من الإنشاءات، التصميم، التشغيل، خدمات الضيافة، الصيانة، وغيرها. كذلك يُمكّن من إنشاء منطقة حرة وبوابات لخدمات لوجستية، مؤتمرات، فنادق، قطاع خدمات عام وجانب خاص.

4. العوائد المالية للدولة وتحسين الإيرادات

زيادة في رسوم الهبوط، خدمات المطار، الضرائب من خدمات الشحن، التجارة، الضيافة، ومن أنشطة المسافرين والبضائع. كما يدعم السياحة، الاستثمارات الأجنبية، وتنمية المناطق المحيطة بالمطار مما يرفع قيمة الأراضي والعقارات.

5. تنمية البُنى التحتية المحيطة والتوسع الحضري المنظم

يشجّع المشروع على تحسين المواصلات البرية والطرق، ربط المطار بالشبكة القومية، خدمات الكهرباء، المياه، النقل العام. هذا بدوره يسهم في تخفيف الزحام في الخرطوم وتحسين توزيع الخدمات الحضرية.

ثالثًا: أثر عدم تنفيذ المشروع على الاقتصاد السوداني

1. فقدان فرص استثمارية

تأخّر المشروع يعني أن السودان لم يستفد من الاستثمارات الأجنبية والعربية المحتملة التي كانت جاهزة للمشاركة، بما في ذلك التمويل القروض التفضيلية.

2. تدهور التنافسية في النقل الجوي

المطارات الوطنية التي لا تتطور تواجه ضعفًا مقارنة بالمطارات الإقليمية، حيث يسعى الناقلون والشركات اللوجستية لوجهات ذات بنى تحتية أفضل.

 

3. زيادة الكلفة التشغيلية

تشغيل المطار القديم يحتاج إلى تكاليف صيانة عالية، وتحديثات مستمرة لمواكبة المعايير الدولية، وقد تكون غير فعّالة كدعمٍ لتوسع الخدمة بحجم متزايد.

4. العزلة التجارية والفرص الضائعة

البضائع، الصادرات، السياحة يصعب أن تنمو إلى السعة المطلوبة دون مطار حديث كمركز جاذب. كذلك فرص تحويل الخرطوم إلى مركز لوجستي إقليمي تختار شركات الشحن عبوره لإنجاز عملياتها.

5. تأثير على التنمية الحضرية

بقاء المطار القائم في منطقة مكتظة يمنع توسعًا عمرانيًا منظمًا ويُشغّل مساحات شاسعة داخل المدينة كانت يمكن أن تُستخدم لمشاريع سكنية أو تجارية.

رابعًا: إمكانية التنفيذ ضمن برنامج الإعمار الآن

لماذا الآن هو الوقت المناسب، وما المطلوب لضمان إنجاز المشروع:

1. ظروف ما بعد النزاعات وإعادة الإعمار

بعد توقف الأعمال في كثير من القطاعات، هناك توجه دولي ومحلي للدعم في مشاريع البُنى التحتية الكبيرة كمحركات للتعافي الاقتصادي. المشاريع التي تخلق فرص عمل وتُظهر نتائج ملموسة تكون ذات أولوية للتمويل الدولي.

2. استثمار ذكي/ تمويل متعدد المصادر

استخدام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتخفيف العبء على الموازنة الحكومية.

استقطاب قروض ميسّرة من مؤسسات تنموية عربية ودولية.

استثمار جهات خاصة في مرافق المطار من فنادق، خدمات لوجستية، مناطق حرة.

 

3. إعادة تقييم التصميم والمواصفات

قد يستفيد المشروع من تقليل التكاليف عبر تحسين التصميم، اختيار موقع مناسب يقلل من تكاليف البُنى التحتية، وربما البدء بمراحل أولى ذات نطاق أقل ثم التوسع تدريجيًا.

4. التأكد من الشفافية والمساءلة

لضمان استدامة المشروع وجذب الثقة، يجب أن تكون دراسات الجدوى متكاملة (اقتصادية، مالية، بيئية)، وأن تكون المحاسبة واضحة، والمناقصات منافسة وشفافة.

5. الربط ببقية مشاريع الإعمار

ربط المشروع بشبكة الطرق، السكك الحديدية، الطاقة، المياه من شأنه أن يضاعف الأثر الاقتصادي والاجتماعي. مطار جديد وحده لن يكون كافياً إن لم يحاط ببنية تحتية قوية.

خامسًا: توصيات

استئناف المشروع بأولوية عالية ضمن خطط الدولة للإعمار، مع تحديد جدول زمني واضح وتنظيم مالي مؤكد.

إجراء تحديث شامل لدراسة الجدوى بحيث تأخذ في الحسبان التغيرات في السوق العالمي، أسعار الوقود، تكاليف الشحن، المنافسة الإقليمية.

إشراك القطاع الخاص في التمكين من الممارسة الفعلية والرأسمال اللازم.

تنسيق التمويل من مؤسسات عربية ودولية مهتمة بالبُنى التحتية، وربما اعتماد التمويل المختلط (قروض + استثمار خاص).

الالتزام بالمعايير البيئية والعمرانية، لتجنّب تأخيرات إضافية أو معارضة مجتمعية.

خاتمة

مطار الخرطوم الجديد ليس مجرد مشروع بنية تحتية عادية، بل هو لبنة أساسية في طريق إعادة بناء اقتصادٍ قوي، لاستعادة المكانة الإقليمية للسودان كمركز لربط القارات، وتوفير فرص للشباب، وتحسين أداء الصادرات والواردات. التأخير في إنجازه لم يكلف فقط الفرص الضائعة، بل زاد من تكلفة البُنى التحتية البديلة، وأثر على تنافسية البلاد. الآن، ومع الإرادة السياسية والاستقرار النسبي، يمكن أن يُحبّب المشروع مجددًا في جدول الأولويات، ليكون منارة لإعمار السودان الاقتصادي.

حاتم حسن أحمد كاتب ومحلل اقتصادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى