أخبارالمقالات

د. ياسر محجوب الحسين : بهلوانيات أبي أحمد مكرورة

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

 

 

 

بينما ظلت جغرافيا القرن الأفريقي تختلط بالبارود، بقي السودان يؤكد على استراتيجية أخلاقية مكلفة: حسن الجوار. رغم أن إثيوبيا تمارس أطماعا واضحة في أراضيه، خاصة منطقة الفشقة الغنية، ورغم تدخلها السافر في شؤونه الداخلية بدعم مليشيا الدعم السريع، اختار السودان أن يمارس سياسة الجار الصالح. لم يرد بالمثل، ولم يستغل نقاط الضعف الإثيوبية المتعددة. هذا الاعتدال، الذي يعد قمة الحكمة، هو نفسه الذي أغرى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأن يمضي قدما في لعبته الخطرة.

يدرك كل زعماء إثيوبيا السابقين أهمية حساب السودان جيدا في أشد لحظات الخلاف. لكن آبي أحمد يعتقد أنه يستطيع اللعب بالنار ببعض الحركات البهلوانية. زار بورتسودان، غرس شجرة “السلام”، ثم عاد إلى أديس ليمارس مؤامراته. دعم المليشيا، حافظ على وجود لوجستي على الحدود الشرقية، وأشار ضمنيا إلى إمكانية استخدام الأراضي السودانية ممرا نحو إريتريا في حال اندلاع صراع مع أسمرا. هذا التلميح، الذي كشفه كاميرون هدسون المختص الأمريكي بالقرن الأفريقي، ليس مجرد كلام؛ إنه رسالة مبطنة بأن الخرطوم أصبحت في نظر آبي “ساحة” وليست “لاعبا”.

والحال أن السودان يملك من الأوراق ما يجعله قادرا على إحداث مشاكل جمة لإثيوبيا لو أراد. جغرافيا، الفشقة عقدة استراتيجية بين الدول الثلاث. لو قرر السودان الرد، لأصبحت الحدود الشرقية كابوسا لوجستيا لأديس أبابا. كما أن إثيوبيا تعاني أصلا من أزمة منافذ بحرية مزمنة. رفضت عرض جيبوتي بحصة 60% في ميناء تاجورة، وتمسكت بـما اسمته ب”ممر سيادي” وقاعدة بحرية. أي توتر إضافي على الحدود السودانية يمكن أن يعمق هذا الارتهان ويضغط على اقتصادها المنهك.

بل إن دبلوماسية إثيوبيا ذاتها تكشف عن وجهين. في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، صوتت “لا” على قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي، و”نعم” على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، في مشهد يعكس سياسة “إمساك العصا من المنتصف” لإرضاء إسرائيل والغرب بحثا عن دعم أمني وتقني، مع الحفاظ على صورة “قلب أفريقيا”. الداخل الإثيوبي نفسه غاضب من هذا “الانقلاب” على تاريخ التحرر الأفريقي.

إثيوبيا اليوم تخوض توترا متصاعدا مع إريتريا، الحليف السابق في حرب تيغراي. وفي هذا الصراع، يجد السودان نفسه في الموقع الأصعب: حدود طويلة، ومناوشات متكررة، وإمكانية تحول الفشقة إلى ممر عسكري. لكنه لم ينجر. يرفض أن يكون ساحة، ويطالب بحياد نشط: تعزيز الوجود العسكري على الحدود، مراقبة النشاط السياسي الخارجي، ومبادرة دبلوماسية لتهدئة التوتر بين أديس أبابا وأسمرا.

هذا هو السودان: قادر على إيذاء الطامع، لكنه يؤمن بأن السلام أقوى سلاح. لكن حسن الجوار لا يعني الغفلة. إذا استمر آبي في لعبته البهلوانية، فإن الجغرافيا لن ترحم الغافلين. والسودان، وإن اختار السلام، فهو ليس ضعيفا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى