
متابعات | تسامح نيوز
بشرنا وزير التعليم العالي قبل أيام بخطة لإدخال الذكاء الاصطناعي في الجامعات؛ تصريح يثير الدهشة أكثر مما يبعث على الأمل. فبينما يتحدث الوزير عن تكنولوجيا المستقبل، تعجز جامعاتنا العريقة عن إدارة موقع إلكتروني يقدّم الحد الأدنى من الخدمات، ليس للمغتربين فحسب، بل حتى لمن يسكنون بجوار أسوارها.
المفارقة ليست في الطموح، بل في الانفصال التام عن الواقع. كيف نتحدث عن الذكاء الاصطناعي ومؤسساتنا تفشل في تقديم خدمة إلكترونية أساسية من حق طلابها؟ وهل يعلم الوزير أن أستاذاً نال الدكتوراه من جامعة سودانية على نفقته الخاصة قبل ما يزيد عن عقد من الزمان، وجد نفسه “مغترباً إدارياً” وهو يبحث عن مجرد إفادة تثبت عنوان أطروحته؟
بدأت القصة – وهو يشكو مر الشكوى – بطلب أكاديمي من جهة عربية، لكنه اصطدم بمتاهة بيروقراطية؛ طرق أبواب عميد الدراسات العليا بالجامعة، وأمين الشؤون العلمية، وعميد الكلية، واستعان بالمعارف، دون جدوى أو اهتمام. وفي النهاية، اضطر للجوء إلى مؤسسة بريطانية (UK ENIC) لمعادلة شهادته، واستخدام تلك المعادلة كجسر للحصول على اعتماد الجهة العربية لشهادته.
المفارقة أن المؤسسة البريطانية لم تتعامل بعقلية التعقيد؛ بل اقترحت حلولاً مرنة بطلب خطاب من الاستاذ الذي أشرف على رسالته، حتى وإن كان يعمل حالياً في جهة أخرى، مع الاكتفاء ببريده الرسمي للتحقق. هكذا تُدار الأمور حين تحترم المؤسسات وقت الناس، بينما تحول إداراتنا الإجراءات إلى رحلة استنزاف.
أي واقع أكثر إيلاماً من أن تمر وثائقنا عبر لندن لتثبت صحتها لدى جيراننا في الخليج؟ وأي صورة نقدمها عن جامعاتنا حين يعجز الخريج عن استخراج ورقة يفترض أن تظهر بضغطة زر؟
الأزمة ليست تقنية بل إدارية وأخلاقية. لا نحتاج منصات معقدة، بل موقعاً فعّالاً يحفظ البيانات ويتيح استخراج الإفادات. لكن ثقافة اللامبالاة حولت الخدمة البسيطة إلى عذاب يستنزف الكرامة.
ثم تأتي الطامة الكبرى: النزيف المالي. فبينما تشكو الجامعات من شح الموارد، سدد صاحب الشهادة ٧٠ جنيها استرلينيا أي ما يعادل نحو 56 ألف جنيه سوداني لمؤسسة أجنبية مقابل خدمة كان يفترض أن تقدمها جامعته وتتقاضى مقابلها عملة صعبة. هكذا تخسر الجامعات سمعتها ومواردها معاً.
التحول الرقمي ليس رفاهية، والحديث عن الذكاء الاصطناعي قبل إصلاح أبسط أدوات الإدارة هو بناء طابق زجاجي فوق منزل بلا أساس. الذكاء الاصطناعي لا يُبنى في مؤسسات تعجز عن الرد على إيميل، بل في بيئة تحترم الإنسان وتدرك قيمة الوقت. أي حسرة، وجامعاتنا ما تزال غارقة في “عصر ما قبل الإنترنت”.





