
متابعات | تسامح نيوز
كتب – د. عبدالعزيز الزبير باشا
المقدمة: جراحة الكلمات*
كلمة “التغيير” في السودان صارت مرعبة. ارتبطت في أذهان الناس بالفوضى، بالانهيار، بمسح الدولة.
ولذلك يجب أن نبدأ بجراحة دقيقة في المفاهيم قبل أي شيء.
_التغيير لا يعني الدولة. والتغيير لا يعني مؤسساتها_.
الجيش الذي يقاتل اليوم في كل شبر من أراضي الوطن، الشرطة التي تؤمن الطريق، المؤسسات المختصة مع وزارة المالية التي تدفع المرتبات تحت النار، وزارة الصحة التي تشغل العمليات، سودامين وأم درمان وأرياب التي تستخرج الذهب رغم العقوبات، الموانئ التي تعمل، البنوك التي لم تسقط – هذه هي *الدولة السودانية*. وهذه صامدة، منتجة، وتستحق التحية.
إذن ما الذي يجب أن يتغير؟
*الحكومة التنفيذية*.
تلك الآلة البيروقراطية التي تحولت عبر عقود من “خادمة للمؤسسات” إلى “خصم لها”.
من “مُطلقة لليد” إلى “مُكبلة لها بالمحاصصة والفساد”.
هذا هو جوهر “سنة التغيير”. تغيير لا يهدم، بل يُطلق. تغيير لا يكسر، بل يُحرر.
*أولاً: التاريخ يعلمنا – المؤسسات تبني والحكومات تعيق*
منذ 1956 ونحن نرتكب نفس الخطأ القاتل: نخلط بين الدولة والحكومة.
فإذا فشلت الحكومة قلنا “الدولة فاشلة”. وإذا فسد الوزير قلنا “المؤسسة فاسدة”.
والحقيقة على الأرض تقول غير ذلك.
*مؤسسات الدولة السودانية الأبية أثبتت صموداً أسطورياً*.
في أسوأ سنوات الحصار 30 سنة، المؤسسات الرصينة صمدت. في أسوأ أيام الحرب، الكهرباء لم تنقطع كلياً. في ظل العقوبات، هناك من يدفع المرتبات.
من كان العائق إذن؟
كانت الحكومات التنفيذية المتعاقبة.
حكومات رأت في الوزارة “غنيمة محاصصة” لا “مسؤولية خدمة”.
عينت الولاء قبل الكفاءة. جعلت ملفاً واحداً يحتاج 10 تواقيع.
حولت المؤسسة القوية إلى “تهديد” لها، فأضعفتها عمداً حتى لا تطالبها بالنتائج.
النتيجة كانت كارثية: *دولة قوية في بنيتها، مخنوقة بحكومات ضعيفة*.
دولة تملك الذهب ولكن الحكومة لا تستطيع بيعه.
دولة تملك مؤسسات عظيمة ولكن الحكومة تعجز عن أسنادها بسرعة.
دولة تملك أطباء ولكن الحكومة لا توفر لهم الدواء.
*ثانياً: اللحظة التاريخية التي لن تتكرر*
اليوم 18 يوليو 2026 نقف أمام نافذة تاريخية فُتحت ولن تتكرر قريباً.
*كل السلطات – التنفيذية والتشريعية والسيادية – مجتمعة الآن في يد رجل واحد: السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام الفريق أول عبدالفتاح البرهان*.
لا برلمان يعطل القوانين. لا أحزاب تبتز بالمناصب. لا محاصصات تقسم الوزارات كالكعكة.
هذه ليست “سلطة مطلقة”. هذا *اختبار مسؤولية مطلقة أمام التاريخ*.
العدو الخارجي يشن علينا “حرب البنك” بالعقوبات. والعدو الداخلي هو بيروقراطية الحكومة التي تعطل الانتاج.
والفرصة الآن هي أن يستخدم السيد الرئيس هذه السلطة في معركة واحدة: *تحرير مؤسسات الدولة من أسر الحكومة*.
إذا نجحنا في هذا، سننتصر في الحرب وفي الاقتصاد معاً.
*ثالثاً: ملامح “سنة التغيير” – ثلاثة قواعد لإنقاذ الدولة*
لكي تكون “سنة التغيير” حقيقية وليست شعاراً، يجب أن تقوم الحكومة الجديدة على ثلاثة قواعد حديدية:
*1. حكومة كفاءات منتجة لا محاصصات سياسية*
كفى. انتهى زمن “هذا من نصيب الحزب الفلاني”.
المعيار الوحيد الآن: من يستطيع أن يشغل المصنع خلال 30 يوم؟ من يستطيع أن يضاعف صادر الذهب؟ من يستطيع أن يوصل الدواء للمستشفى؟
مهمة الوزير لم تعد “الحكم”. مهمته “الخدمة”. خدمة مؤسسات وزارته وإزالة أي عقبة من طريقها. الوزير الناجح هو الذي يجعل وكيل الوزارة والمدير العام هم الأبطال، لا هو.
*2. التدخل الرئاسي المباشر لحماية المنتجين*
أي بيروقراطي يعطل تصديق. أي جهة أمنية تبتز مستثمر. أي فساد يوقف مصنع. يجب أن تتم إزالته فوراً بقرار رئاسي وفي 24 ساعة.
على فخامة الرئيس أن يكون “المظلة” التي تحمي الجندي في الميدان، والطبيب في المستشفى، والمهندس في المصنع، والمزارع في الحقل.
الحكومة يجب أن تكون “سنداً” لا “خصماً”.
*3. فصل الدولة عن السياسة – خط أحمر*
مرتب المعلم والجندي والطبيب خط أحمر. لا يمسه خلاف سياسي.
استيراد القمح والدواء والوقود خط أحمر. لا يمسه مزايد.
قانون الخدمة المدنية خط أحمر. لا يمسه تمكين جديد.
يجب أن نرسخ قاعدة: *الحكومات تأتي وتذهب، ولكن الدولة باقية ومقدسة*. من يمس الدولة يسقط فوراً.
*رابعاً: لماذا الآن؟ لأن العدو يراهن على خنقنا*
العقوبات البريطانية الأمريكية الأخيرة على شركات الذهب وDIS ليست صدفة.
هدفها واضح: قطع شريان الدولة المالي والعسكري.
يريدون حكومة ضعيفة تستجدي. يريدون دولة مفلسة تستسلم.
ردنا الوحيد هو العكس تماماً: *دولة منتجة وحكومة سريعة*.
حكومة تطلق يد سودامين وأم درمان لتبيع. حكومة تطلق يد DIS لتصنع. حكومة تطلق يد المزارع ليزرع.
حين نتحرك بسرعة، نُفشل مخطط “التجويع” و “الشلل”.
*الخاتمة: رسالة لفخامة السيد الرئيس ورسالة للشعب*
سيدي الرئيس، التاريخ لن يسألك كم اجتماع عقدت. سيسألك: هل أطلقت يد الدولة؟
لقد منحك القدر سلطة لم ينلها حاكم قبلك. استخدمها مرة واحدة في تفكيك “دولة المحاصصة” و تفعيل “دولة المؤسسات”.
الشعب لا يطلب حكومة ملائكة. يطلب حكومة واحدة فقط: *حكومة لا تعيق*.
أيها السودانيون، لا تخافوا من كلمة “التغيير”.
التغيير الحقي هو أن يذهب الفاشل ويأتي المنتج. أن يذهب المعيق ويأتي المُسهل.
التغيير هو أن ننتصر في الميدان، ثم ننتصر في مكتب العمل.
*هذه هي “سنة التغيير”*.
سنة نستبدل فيها العقلية لا الأشخاص.
سنة نحرر فيها الدولة لا نهدمها.
سنة نُثبت فيها أن السودان لا ينكسر… السودان يُبنى.





