*شبكة “الديوم” وصالونات بروكسل.. مٓن وراء قرار الإتحاد الأوروبي بحظر الذهب السوداني !
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
كتب – عزمي عبد الرازق
شيئاً فشيئاً تتبدى فصول واحدة من أعقد المؤامرات الاقتصادية التي ظلت تُحاك ضد السودان، طوال سنوات الحريق، وهي صائرة كما يبدو إلى مآل مرسوم، فجأة وبلا حيثيات متماسكة، أعلنت المفوضية الأوروبية قرار حظر استيراد الذهب السوداني وتصدير مدخلات إنتاجه كالسيانيد والزئبق. بدا القرار للوهلة الأولى خطوة أخلاقية بامتياز لحقن الدماء وتجفيف منابع الحرب، لكن القاعدة الذهبية تحثنا دائماً على تتبع مسار الأموال والروابط الخفية لمعرفة المستفيد الحقيقي الكامن خلف شعارات حماية البيئة. تسفر الوقائع المثيرة عن شبكة معقدة تجمع بين ناشطي اليسار المخملي، ومنظمات المجتمع المدني المرتبطة بالغرب، وسياسيين يبحثون عن رافعة خارجية لتمكين مليشيا الدعم السريع، وذلك عبر خنق الدولة وتجريدها من آخر مصدات صمودها الاقتصادي.
تزحف خيوط هذه الشبكة من الديوم الشرقية وحي الصحافة الخرطومي العريق، هنا، أو بالأحرى هناك، حيث نمت مجموعة من الكوادر المحسوبة على اليسار السوداني وواجهات المجتمع المدني، والتي تجمع بين أفرادها وشائج القربى، المصاهرة، وزمالة الدراسة القديمة في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم. يقود هؤلاء من خلف الكواليس مهندس ناشط يتنقل بحرية بين باريس وبرلين، وضع برفقة شقيقه اللبنات الأولى لحشد الرأي العام الغربي ضد الصادرات السودانية، بينما اكتملت أركان المثلث بواسطة طرف ثالث عمل لسنوات في دهاليز بعثة الأمم المتحدة (يونيتامس) تحت إمرة فولكر بيرتس، مما أتاح لهم اختراق قنوات صناعة القرار الدولي، والتمهيد للقرار الأوروبي عبر تنظيم ورش عمل وندوات مكثفة على هامش مؤتمر برلين.
في عمق هذه الشبكة يبرز الاسم الأكثر إثارة وهو الأكاديمي الألماني الدكتور إنريكو إلّا، المتخصص في الإيكولوجيا السياسية للتعدين بجامعة لايبزيغ، والذي تحولت أبحاثه الميدانية الممتدة لسنوات في جبال النوبة والمناطق الحدودية من مجرد دراسات أنثروبولوجية إلى ذخيرة معلوماتية صالحة للاستخدام في صالونات البرلمان الأوروبي. شكل الخواجة إنريكو شرياناً رئيسياً لتمرير التقارير المحلية الموجهة بالتعاون مع شريكه السوداني صلاح عبر منصة مركز الدراسات البيئية والاجتماعية، وقامت هذه الشبكة باستغلال علاقات الزمالة مع كوادر تم تسكينهم في مؤسسات الدولة إبان فترة الشراكة بين الجيش وقوى الحرية والتغيير، لتسريب خرائط التعدين، وبيانات الإنتاج، وقوائم الشركات الوطنية، وتقديمها على طبق من ذهب للمشرع الأوروبي كدليل على تمويل الحرب، متجاهلين تماماً مفارقة أن أبحاث إنريكو نفسها كانت في السابق تحذر من أن حظر الذهب سيقطع سبل عيش ملايين المنقبين التقليديين في أطراف السودان.
لم يكن الخواجة إنريكو يعمل وحيداً في هذا الفضاء؛ إذ تكشف الخيوط الممتدة إلى ما وراء البحار عن دخول شخصيات متخصصة في أسواق المعادن وعلم نفس السوق على خط الأزمة، ومن أبرزهم جون زاده، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة “ديسكفري أليرت” المتخصصة في تتبع الاكتشافات المعدنية في بورصة الأوراق المالية الأسترالية. وظف جون زاده خبرته الطويلة في قطاع الموارد الناشئة وتحليل البيانات المتخصصة في أسواق السلع والشركات الصغيرة لتقديم قراءات وتحليلات معمقة دعمت الأطروحات الغربية، وساهمت هذه التنبيهات والتحليلات الجيولوجية والمالية في توجيه بوصلة المشرعين الأوروبيين نحو مكامن الضعف والقوة في قطاع التعدين السوداني، وتأطير حركة الذهب كأداة لإشعال النزاعات وفق زعمهم، مما مهد الطريق لبناء جدار العقوبات الأخير.
هذه التحركات جرى طبخها بدقة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي بقيادة دبلوماسية مكثفة تزعمتها هولندا وفرنسا وألمانيا، وبدعم من عدة دول أعضاء. بدأت القصة في أبريل الماضي تقريباً، تزامناً مع مؤتمر برلين الدولي الثالث بشأن السودان، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي عزمه استهداف ما وصفه بـ “اقتصاد الحرب”. وخلال شهري مايو ويونيو من العام نفسه، صاغت خارجيتا هولندا وفرنسا المقترح الفني للمبادرة للضرب المزدوج من المنبع والمصب، وذلك عبر منع الاستيراد الملتوي للذهب من خلال الأسواق الوسيطة، وشل التعدين الأهلي بحظر الزئبق والسيانيد. وتلقى المقترح دفعة سياسية قوية بقرار البرلمان الأوروبي في التاسع من يوليو، ليعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي المبادرة رسمياً، ويتولى رئاسته الدورية رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان منذ يوليو 2024، بينما يشغل البرتغالي أنطونيو كوستا منصب رئيس المجلس الأوروبي، وقد تم اختراق هذه الدائرة من قبل شخصيات ظل، تحظى بحماية جماعات الضغط الإسرائيلية.
المعلومات المتدفقة من الأرض تكشف أن الشعارات البراقة لحماية البيئة ومناهضة الزئبق محض غطاء لاحتكار تجاري تمارسه الكوادر ذاتها، إذ تشير المعطيات إلى امتلاك بعض هؤلاء الناشطين، عبر واجهات تجارية، لآليات ثقيلة تعمل في مناطق التعدين العشوائي، وانخراطهم في تهريب ذات المواد المحظورة في المناطق البعيدة عن رقابة الدولة لتخلو الساحة لشبكاتهم الممتدة حتى غرب إفريقيا وتحديداً نيجيريا، خدمة لمصالح شركات وبارونات أوروبيين يريدون السيطرة على الذهب الإفريقي بأبخس الأثمان، بعيداً عن الرقابة المصرفية الرسمية. ولم يتأخر الغطاء السياسي للمخطط، إذ سارع خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والمقرب من قادة ميليشيا الدعم السريع، للترحيب بالقرار والاحتفاء به، ليؤكد تكامل الأدوار بين ناشطين يصنعون التقارير المفبركة، وواجهة سياسية تبارك الحصار، وتعمل بهمة غير وطنية، لتركيع مؤسسات الدولة السودانية.
من المهم الإشارة إلى أن الذهب يمثل الملاذ الأخير لتمويل استيراد الدواء والقمح والوقود للمواطنين عبر القنوات المصرفية الرسمية في الخليج والشرق، ولا نحتاج إلى التنبيه بأن الخلل الأكبر يكمن في أن العقوبات تعقد إجراءات الدولة الرسمية، بينما يظل تأثيرها معدوماً على مليشيا الدعم السريع التي تعتمد على مسارات التهريب البرية وإعادة التصدير عبر دول الجوار، ومطار نيالا، دون حاجة للمصارف أو لمطار الخرطوم.
ولكن، هل تنتهي الحكاية عند هذا الحد؟ بالطبع لا، ما كشفناه هنا ليس سوى رأس جبل الجليد، لملف شديد السرية والخطورة، نحاول بصورة ما وضع أيدينا على مستندات ووثائق مهمة وخطيرة، وسجلات اتصالات وتنسيق مباشر جرت في كواليس عواصم أوروبية وإقليمية. في ملفاتنا القادمة، لن نكتفي بالإشارة إلى الرموز، سننشر بالأسماء الصريحة، بقية أعضاء هذه الشبكة العائلية والسياسية الذين باعوا مقدرات بلادهم في صالونات بروكسل، ومن الذي يمسك بخيوط دمى هذه الشبكة ويحركها من خلف الستار لإتمام صفقة السيطرة على الذهب السوداني، وإضعاف الدولة لصالح المليشيا؟





