متابعات | تسامح نيوز
(1)
التحيات الزاكيات لثورة الإنقاذ الوطني في عيدها السابع والثلاثين . ولئن كانت الموجات الحضارية في السودان بدأت في كوش مهد الحضارات الإفريقية حيث عرف إنسانها اللغة والكتابة وشيد الإهرامات. وكانت الموجة الثانية في مملكة مروي والتي اشتهرت كمركز تجاري واقتصادي عالمي (بيرمنجهام مروي). وكانت الموجة الحضارية الثالثة في الممالك المسيحية الثلاثة نوباتيا والمقرة وعلوة والتي اشتهرت بالبراعة العسكرية والمعمارية والجداريات الفنية مثل جداريات كاتدرائية فرس وأنظمة الري الزراعية الحديثة. وكانت الموجة الرابعة في الممالك الإسلامية في السودان الشرقي القديم وهي، الفونج والفور وتقلي والمسبعات الإسلامية وأبرز تجلياتها الحضارية ، الإسلام والثقافة العربية والإسلام هو الحضارة بتعبير سيد قطب. وكانت الموجة الحضارية الخامسة في الحكم التركي وأبرز تجلياته إرساء نواة الدولة السودانية المركزية الحديثة بحدودها الجغرافية المعروفة .وكانت الموجة الحضارية السادسة في الحكم الثنائي وأبرز تجلياته كلية غردون والخدمة المدنية ومشروع الجزيرة والسكة حديد
(2)
أما الطفرة الحضارية الكبرى فقد تمثلت في تجربة الإنقاذ الوطني يونيو 1989 إلى 2019م وأبرز تجلياتها ثورة التعليم العام والعالي .وثورة الاتصالات والمعلومات.والتصنيع الحربي ومدن جياد وصافات الصناعية وتشييد الطرق القارية والكباري والجسور والسدود والمطارات. وثورة الطاقة والنفط . وأبرز التغيرات البنيوية إمكانية انبعاث وقدة الإسلام في شعب الاقتصاد والسياسة والثقافة وفدرلة نظم الحكم. وتجذير ثقافة قوامة المجتمع في التنمية والحكم. وكذلك فإن تجربة الإنقاذ حسمت مسألة الشريعة الإسلامية كمرجعية وهوية للحكم في السودان. وأيضا حسمت مسألة حكم السودان في المستقبل لصالح المدارس الفكرية الإسلامية. وأنهت البنية البطركية الطائفية في الولاءات السياسية، وأرست ثقافة بناء الأحزاب السياسية على هوادي الأفكار والبرامج والدمقراطة الداخلية. وتوليد قيادات جديدة.
(3)
التحيات الزاكيات للقادة الكبار صناع ثورة الإنقاذ الوطني وكل الأبطال الذين حملوا أرواحهم على أكفهم رافعين شعار (الوطن الغالي) في يوم عيدهم 30 يونيو 1989م
يا أحبائي ونبض عروقي
كنتم القدوة بالخير الوريق
فاهنأوا نحن كما أنتم على ذات الطريق
رب شمس غربت والبدر عنها يخبر
وزهور تتلاشى وهي في العطر تعيش
نحن أكفاء لما مر بنا بل أكبر
تاجنا الأبقى وتندك العروش
ولمن ولى حديث يؤثر
ولمن ولى حديث يذكر
(4)
ولكن ما هي العبر المستقاة من تجربة الإنقاذ ؟ أثبتت عبرة المسير أن استلام السلطة عبر الإنقلاب العسكري كان قرارا استراتيجيا، لأن تصفية التيار الإسلامي عبر الأدوات الصلبة والناعمة ظل الهدف الإستراتيجي للتحالف الصهيوأمريكي وللتيارات السياسية اليسارية والعلمانية والطائفية في الداخل وقد بدأت هذه السياسة عند زيارة نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش للسودان في اكتوبر عام 1984م وبعدها زج النميري بقيادات الإسلاميين في السجون .ثم توالت هذه السياسة وتبدت في توافق القوى السياسية على إقصاء الإسلاميين في انتخابات مارس 1986م وتكتلوا لإسقاط الدكتور الترابي في دائرة الصحافة . وتوالت هذه السياسة في مذكرة الجيش في فبراير 1989م والتي أفضت إلى إبعاد الجبهة الإسلامية من حكومة الوفاق الوطني .
وكادت أن تتطور إلى تحالف بين الأحزاب الطائفية واليسارية والعلمانية والحركة الشعبية وإسناد قيادة الجيش لإقصاء الإسلاميين جذريا من المشهد السياسي وذلك في انتخابات الديمقراطية الرابعة المزمع انعقادها عام 1990م
(5)
لم تتبدل السياسة الصهيوأمريكية لإسقاط تجربة الإسلاميين بعد ثورة الإنقاذ في يونيو 1989م ولكن تنوعت التكتيكات بدءا من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية ثم محاولة اختراق وتفكيك بنية النظام الداخلية.
كذلك لم تتغير إستراتيجية القوى السياسية المعارضة لإسقاط التجربة بل تنوعت التكتيكات بدءا من الجهاد المدني والانتفاضة المحمية بالسلاح وشد الأطراف بالتحالف العسكري مع الحركة الشعبية. ثم العمل على إضعاف التجربة من الداخل بعد اتفاقية نيفاشا 2005 .
وأخيرا تماهت الإستراتيجيتان الخارجية والداخلية وصنعت انتفاضة ديسمبر 2018 والتي أسقطت تجربة الانقاذ في 11 أبريل 2019م.
(6)
بعد سقوط الإنقاذ طور التحالف الصهيوأمريكي وأدواته الإقليمية دويلة الإمارات والداخلية تحالف صمود استراتيجيتهم إلى التصفية الجذرية للتيار الاسلامي وتجلت هذه السياسات في قانون تفكيك نظام 30 من يونيو . إطالة أجل الفترة الانتقالية الى 15 عاما. الفصل التعسفي لكوادر التيار الإسلامي من الخدمة العامة. الشروع في تصنيف الحركة الإسلامية كيان إرهابي.ثم الإتفاق الإطاريء ديسمبر 2022م والذي كانت شعاراته الظاهرية استعادة المسار المدني الديمقراطي
بينما كانت أهدافه الباطنية تفكيك المؤسسة العسكرية الوطنية وإحلال مليشيا الدعم السريع في وظيفتها . وتشييد نظام استبدادي علماني لائكي شركاءه مليشيا آل دقلو وتحالف صمود . ثم الزج بكل تيارات حركة الإسلام في السودان في غياهب السجون . ولما فشل هذا السيناريو لجأ شركاء المؤامرة في الخارج والداخل إلى شن حرب 15 أبريل 2023م على النحو الذي تعلمون.
(7)
لقد كان تكتيك الاختراق والتفكيك من الداخل الأكثر نجاعة في إسقاط تجربة الإنقاذ والمؤسف أن الانشقاقات الداخلية المتوالية وسط الإسلاميين كانت المهاد في تجسير هذا التكتيك الماكر
فما هو واجب التيار الاسلامي في المرحلة القادمة؟
لا خيار أمام الإسلاميين إلا الوحدة في حزب طليعي جديد يعبر عن أشواق قاعدة التيار الإسلامي العريض. وتطلعات المجتمع السوداني في العدالة والحرية والنهضة والدفع بقيادات شبابية جديدة. ثم التصدي لبناء الكتلة التاريخية الحرجة والتي تضم حلفاء الجيش في معركة الكرامة . على أن تكون مهام هذه الكتلة إسناد الجيش في معركة الكرامة حتى هزيمة المخطط الصهيوأمريكي وأدواته الإقليمية والداخلية.
أما مهام هذه الكتلة في مرحلة ما بعد معركة الكرامة التوافق الاستراتيجي على إرساء أوتاد النظام الديمقراطي المستدام. وقيادة السودان حتى يعود شامة بين الأمم.
الجمعة: 2026/7/3





