أخبار

محمد عبدالقادر يكتب: ظلمناه حيا، وأنصفناه ميتا.. مجذوب أونسة.. «وجينا بعد الفرقة نسأل»..

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

أكثر ما أوجعني مع فاجعة موتك يا مجذوب أونسة، أنك لن تقرأ ما كتبه عنك السودانيون بعد رحيلك… لقد أنصفوك ووضعوك في المكان الذي تستحق، ولكنك الوحيد الذي لن تعلم كيف افتقدك الناس، وكم أحبوك؟!!..بخلاء نحن في إبداء مشاعرنا تجاه من نحب، حتى إننا نتهيب يوم شكر أحدنا “ما يجي”، لأنه ممنوع، والثناء والتمجيد في حياته من الممنوعات.

حكى أحدهم أنه لم يقبل والدته إلا و”عنقريبها” في طريقه للدفن… وأحدهم لم يحتضن والده إلا وهو مُسجّى في المقابر،كثير من موتانا ذهبت بهم حسرة “نكران الجميل”، مجذوب عاش بيننا حساً ونغماً ووجداناً وأغنيات، ولكنه ظل مهملاً في قوائم الإنصاف، الذي وجده بعد أن مات….

تمنيت يا مجذوب أن تقرأ كيف أحبوك، وتسابقوا للكتابة عن مآثرك وموهبتك وإنسانيتك وغنائك الجميل.. ولكن للأسف.. مجذوب لن يقرأ ما كتبتم،يؤلمني جداً عدم تقييم مبدعينا والكتابة عنهم وهم أحياء، مع التسابق لرثائهم بعد الموت.

يخيل إليّ أننا شيعنا الغناء مع مجذوب، وألزمناه ذات الكفن الذي لفّ “ابن نقزو الجميل”، وارتمينا بعد رحيله الموجع في أحضان الأحزان والبكاء الذي لن ينتهي، والتزمنا حياة الأكفان، حيث الموت يوسم كل شيء، بعد أن أصبح، مثلما قال نزار: “في فنجان قهوتنا، وفي مفتاح شرفتنا، وفي ورق الجرائد، وفي الحروف الأبجدية”…

كل نغم بعدك يتيم يا مجذوب، وكل لحن مكسور وناقص، وجميع الأغنيات التي أطربت وقدمت إلينا الحياة نضرةً زاهيةً تحولت إلى شواهد في مقابر الذكريات تحكي الزوال، وتعاني الأفول، وتذكرنا بأن الدنيا “ما دوامة”، وأن “الرونق العامر” المحمول في بكائية “حليل زمن الصبا الماضي” مصيره إلى فناء مهما طال زمن البريق…

مجذوب لم يكن صوتاً طروباً محملاً بحلاوة وطلاوة لا تخطئهما الأذن، وإنما مثّل عبر رحلته الممتدة بين قوس الرصانة ووتر التجويد “زفة طرب ومواكب حنين”، تمنح الغناء طعمه، والألحان قدرتها على ملامسة الوجدان،كان صوته مزيجاً متقناً من الشجن والتطريب، يبكيك بحنيته، ويشجيك بحلاوته، ويطربك بقدرته الباهرة على التنقل بين مقامات الغناء، الذي يطوع كلماته ويعبئها في وجدانك، ويسكبها شجناً أو حزناً أو طرباً، مثلما يريد.

ما زالت تلجمنا الفجيعة، ونحن من جيل كتب على دفاتر المدرسة “آخر خبر”، وعاش “حلم الصبا”، وظلت القماري في ذاكرته بعضاً من الحنين الباكي المبذول بسخاء في صوت مجذوب حينما جاء يودعها، وهو يشد رحاله ويوصيها: “تبقي عشرة على دياري، وكل يوم تديها طلة، تقوقي لي أمي وصغاري”،نحن الجيل الذي أسلم وجدانه بالكامل لأقدار “يا نور عيني ويا الكنت فاكرك لي”، وكلما طال غياب أونسة كنا نردد في حضرته ونناجيه: “جينا بعد الفرقة نسأل، جينا نلقى محنة عندك، نحكي ليك عن ليل شقانا، وعن متاهات نجمو بعدك”…

“ما سلامك” العملة السودانية الوجدانية المعتمدة في التداول العاطفي ، وهي في تقديري أجمل الأغنيات السودانية على الإطلاق، وقد جمعت أحلى ثمار حديقة الإبداع الغنائي: “مجذوب” في الصوت، و”عزمي أحمد خليل” في الحرف، و”عبد اللطيف خضر” في الألحان.. وهي أغنيتي المفضلة بلا منازع.

برحيل مجذوب أونسة سينتهي بريق الطرب الذي ظلت تكتسي بجلاله حفلات العاصمة، كانت ليالي مجذوب موارة بالبهجة والجمال، إذ ظل نجماً لكل المواسم، ولم يغادر عرش التوهج منذ إطلالته في سبعينيات القرن الماضي…

الرحمة لـ”مجذوب أونسة” الذي ظلمناه حياً، وأنصفناه ميتاً،وأسأل الله أن يتقبل روحه الطاهرة وهي تعبر إلى بارئها في هذه الأيام المباركة، وأن يعيننا على فقده، وهو الذي سكب في أفئدتنا نغماً جريحاً خالداً سيعيننا على قسوة “الحزن المؤبد”، حتى نلقاه وهو يعلمنا بحدائه وغنائه الفلسفة في مقامات الفراق الموجع، قاعدةً باكيةً مفادها: “لمن تفوت إنت في الدنيا بس شن لي”…۔

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى