
ملفات اقتصادية معقدة في انتظار حكومة د. كامل.. ويبقى (الأمل)
رئيس الوزراء تعهد بالتقشف والعدل والتسامح ومحاربة التطرف.
الخبير المصرفي وليد دليل:
هذا هو المطلوب من حكومة الأمل (…)
د.محمد الجاك:دمج وزارة التجارة مع وزارة الصناعة غير منصف
خبير اقتصادي :هناك صراعات غير خافية من شركاء الحكم الحاليين تحديدا موقعي اتفاقية جوبا
د. الجاك : السودان بعد الحرب، وفي مرحلة إعادة الإعمار، يحتاج إلى “وزارة استثنائية للصناعة”
تقرير – رحاب عبدالله
أعلن رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، هيكل الحكومة الجديد “حكومة الأمل” كما اطلق عليها ،والتي يجري مشاورات لتشكيلها من 22 وزارة، مع استحداث هيئة للشفافية والنزاهة لمكافحة الفساد، وتعهّد كامل بالتقشف والعدل والتسامح ومحاربة التطرف.
وحلّ رئيس الوزراء إدريس في مطلع يونيو الجاري الحكومة المكلفة منذ يناير 2022، وذلك بعد يوم من أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزارة. وكلف الأمناء العامين ووكلاء الوزارات بتسيير المهام مؤقتا إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
وأوضح أن شعار حكومته هو “الأمل” ورسالتها “تحقيق الأمن والعيش الرغيد والرفاه للشعب”، وترتكز رؤيتها على الانتقال بالسودان إلى مصاف الدول المتقدمة.
(تسامح نيوز) تفتح الباب للخبراء والمحللين لاجراء قراءة تحليلية لرؤية رئيس الوزراء التي طرحها في خطابه فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي،

وكيف يمكن أن تصلح حكومة الأمل ما أفسدته الحرب من تدمير وانهيار للاقتصاد السوداني من حيث الآليات والمدى الزمني المتوقع وكيف يمكن ان يستفيد من علاقاته الخارجية في عن كيفية الاستفادة من إمكانيات السودان وموارده الاقتصادية وماهي آلية استغلال ذلك.
وذلك لجهة ان تشكيل الحكومة يجئ والبلاد تعاني من أضرار حرب بالغة على الاقتصاد وبلاد تتهيأ لإعادة الاعمار ، فضلا عن تدني الإيرادات وتدهور قيمة الجنيه السوداني وتزايد قيمة استيراد المواد البترولية بعد الأضرار التي وقعت على مصفاة الخرطوم ومناطق البترول.
حكومة رشيقة
ويقول الخبير المصرفي وليد دليل انه مطلوب من د.كامل ادريس تكوين حكومة رشيقة ، واكد في حديثه ل(تسامح نيوز) إن بقاء الحكومات مقيداً بنظمها التقليدية وبيروقراطيتها حتماً سيؤدى لنتائج سلبية، واضاف “فكما قال عالم الإدارة العامة «دون كتيل» «إن العديد من الحكومات اليوم تشبه الديناصورات خلال العصر الجوارسى، انقرضت الديناصورات لأنها لم تتكيف مع البيئة المتغيرة»،
ورأى انه لتجنب ذلك يجب أن تصبح الحكومة أكثر “رشاقة” من خلال الاستجابة السريعة والفاعلة عن طريق إحداث تحول كبير فى الهياكل، والعمليات الداخلية، وإعادة اختراع العلاقات مع المجتمع والموظفين والشركاء، واغتنام الفرص لتحقيق الأهداف.

هل المطلوب حكومة كبيرة أم رشيقة؟ هناك إجماع بأن المطلوب في هذه المرحلة حكومات رشيقة، لكن ذلك لا يتحقق والسبب هو عدد الوزارات التي لم يستطع أي رئيس وزراء شطبها بل على العكس رؤساء وزراء خلقوا وزارات جديدة.
واوضح دليل ان الحكومة الرشيقة (أو المرنة) هي نهج إداري يهدف إلى زيادة قدرة الحكومة على التكيف والاستجابة للتغيرات السريعة في البيئة المحيطة بها، سواء كانت هذه التغيرات اقتصادية، اجتماعية، أو تكنولوجية،مضيفا ان الحكومة الرشيقة على تبني مبادئ وأساليب العمل الرشيق (agile) التي نشأت في قطاع تكنولوجيا المعلومات، مع تكييفها لتناسب طبيعة العمل الحكومي.
مفهوم الحكومة الرشيقة

واشار دليل الى ان مفهوم الحكومة الرشيقة يعني التركيز على القيمة العامة:
تهدف الحكومة الرشيقة إلى تقديم قيمة ملموسة للمواطنين بشكل مستمر، وليس فقط الالتزام بالخطط والميزانيات الموضوعة مسبقًا.بدلاً من اتباع خطط جامدة، تسعى الحكومة الرشيقة إلى التكيف مع التحديات والفرص الجديدة من خلال فرق عمل مرنة ومتعاونة ،
وتشجع الحكومة الرشيقة على التعاون بين مختلف الإدارات والجهات الحكومية، بالإضافة إلى التواصل الفعال مع المواطنين والجهات المعنية مبينا ان الحكومة الرشيقة تضع احتياجات المواطنين في المقام الأول، وتسعى جاهدة لتقديم خدمات تلبي هذه الاحتياجات بشكل فعال.وتقوم الحكومة الرشيقة بتمكين الموظفين وتفويضهم لاتخاذ القرارات، مما يساهم في زيادة الكفاءة والابتكار.
وقال :باختصار، الحكومة الرشيقة هي نهج جديد يهدف إلى تحويل العمل الحكومي إلى عمل أكثر مرونة واستجابة للتحديات والفرص المتغيرة، مع التركيز على تقديم قيمة حقيقية للمواطنين.
من ناحيته اوضح الباحث في مجال الصناعة بمركز البحوث و الاستشارات الصناعية د.محمد الجاك
انه بالرغم من تحدث رئيس الوزراء عن تكوين حكومة كفاءات لا حزبية لكن من المؤكد ان هناك صراعات غير خافية من شركاء الحكم الحاليين بالذأت الذين تشملهم اتفاقية جوبا الذين يصرحون بالتمسك بنصيبهم في التشكيل الوزاري الموروث من حكومة حمدوك سالفة الذكر و يصرحون علنا انهم غير مستعدين للتنازل عن مكتسباتهم الوزارية تلك.
في الجانب الاخر ترى كل الاطراف الاخرى التي تحارب مع الجيش في المعركة ضد الدعم السريع انه جاء دورهم في اخذ استحقاهم الذي وعدوا به خاصة و ان الفريق البرهان و الفريق ياسر العطا يلمحون كثيرا الى ذلك الاستحقاق والمكافأة في خطاباتهم و لقاءاتهم المتكررة.
كما ان هناك من من يتحدث بكل صراحة عن ذلك الاستحقاق ويعارضون حتى تعيين رئيس الوزراء من امثال الناجي مصطفى و الناجي عبد الله الذي وصف رئيس الوزراء المكلف في احدي المرات بانه شيوعي و جمهوري.
ودعا للتريث قليلا قبل الحكم على رئيس الوزراء وعدم العجلة حتى ترسى مركبه في بر الامان اولا.
وفيما يتعلق بدمج الوزارات الاقتصادية من الضرورة الايمان رأى د.محمد الجاك سليمان ان جميع الوزارات في القطاع الاقتصادي للدولة تعد من اهم محركات التعافي الوطني للاقتصاد وجلب الاستقرار وتعظيم الموارد الاقتصادية والمداخيل الوطنية لما تمثله من روافد مهمة من روافد التشغيل والانتاج وبالتالي تقليل البطالة ودمج المواطن في دائرة الانتاج المطلوبة لمحاربة الفقر واسباب الجريمة والاستقرار الاسري وتمثل كل وزارة من وزارات القطاع الاقتصادي اهمية قصوى لبرامج التعافي الاقتصادي للدولة
لذلك لا يمكن اختزال دور اي وزارة و دمجها بهدف تقليل المصروفات ورأى ان دمج وزارة التجارة مع وزارة الصناعة و اختزال دور وزارة التجارة في تسويق السلع الصناعية فقط فيه ظلم عظيم لوزارة التجارة اذ تعد وزارة التجارة بمثابة بوابة السودان نحو العالم حيث يمثل دورها المحرك و المنظم الاساسي لحركة الصادرات و الواردات والشراكات التجارية التي تراعي مصلحة الاقتصاد الوطني.
لذلك يعد دمجها مع وزارة الصناعة انتقاص لدورها في هذا الوقت الذي يحتاج فيه البلد لكل جهد ممكن لتحريك و ترشيد حركة التجارة تصديرا واستيرادا، حيث من المؤكد ان دورها مهم جدا في تسويق السلع سواء كانت مواد خام او مواد مصنعة و تحديد الطلب العالمي للسلع و الخدمات ايضا سواء كانت محسوسة او معنوية،
كما ان لوزارة التجارة دور مهم في اصدار التشريعات التجاية الوطنية التي تؤدي الى ترقية وحماية المنتجات التي لا يمكن ان تحيط بها جهة تخصصية واحدة بل عدة جهات منها على سبيل المثال ادرات او وزارات الصناعة و الزراعة و التعدين و النفط و الثروة الحيوانية و المالية و الجمارك و المواصفات و المسجل التجاري و مسجل عام الشركات و الملكية الفكرية و المصنفات الادبية و الفنية بالاضافة لارتباطاتها بالمنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية و المنظمات الاقليمية مثل الكومسيا و غيرها من المنظمات المهتمة بالتجارة
واكد ان من هذا التشابك يمكن ان تقوم وزارة التجارة باعداد وشرح الدليل الاساسي لتحديد الفجوات في الاسواق المحلية والعالمية وكيفية سد هذه الفجوات كما يرى المختصين في المجالات الاخرى مثل الصناعة ضرورة فصلها كوزارة خاصة لرعاية و تطوير المؤسسات الصناعية لتاهيل و دعم القطاع الصناعي لفترة ما بعد الحرب و ان الضرورة تستدعي ذلك فمن الضرورة بمكان المحافظة على وزارة التجارة و الوزارات الانتاجية و الخدمية الاخرى لاتحادية لتفيذ الادوار المنوط بها لفترة التعافي الاقتصادي لما بعد الحرب بكفاءة واقتدار.
الصناعة “الضحية الصامتة”
وانتقد بروفيسور احمد عبيد حسن قرار دمج وزارتي الصناعة والتجارة بين مقتضيات الإصلاح وضرورات النهوض الصناعي ضمن حزمة إصلاحات هيكلية حكومية تهدف إلى تقليص الإنفاق وتبسيط الجهاز التنفيذي في ظل ظروف اقتصادية وأمنية معقدة تمر بها البلاد. ورأى انه بقدر ما يمكن تفهُّم الدوافع السياسية والإدارية لهذا القرار، لكنه دعا إلى اعادة النظر إلى موقع “الصناعة” في المشهد السوداني اليوم الذي يدعو إلى وقفة تأمل جادة، وإلى مراجعة هادئة لهذه الخطوة، خصوصاً في هذه المرحلة التي تقتضي رؤية تنموية بعيدة المدى، لا تكتفي برد الفعل أو منطق تقليص الهياكل.
مبينا ان الصناعة في السودان اليوم ليست مجرد “قطاع اقتصادي”، بل هي عمود فقري لإعادة الإعمار، وصمام أمان لتعافي الاقتصاد الوطني، ومفتاح رئيس لمعالجة البطالة، وتثبيت الاستقرار الاجتماعي،
وخلق القيمة المضافة محلياً بدل تصدير المواد الخام، ورأى انه من هذا المنظور، فإن دمج الصناعة ضمن وزارة ذات طبيعة تجارية قد يحمل في طياته مخاطر تمييع أولويات التنمية الصناعية أو تهميش ملفاتها المعقدة والمركبة، لصالح أجندة التجارة الآنية، التي غالباً ما تكون أقرب إلى متطلبات السوق اليومية منها إلى تخطيط استراتيجي بعيد المدى.
مضيفا انه في بلد مثل السودان، ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام واستيراد معظم احتياجاته الصناعية والاستهلاكية، تبدو النهضة الصناعية ضرورة لا رفاهية. ولا يمكن لهذه النهضة أن تتبلور من دون مؤسسة وزارية ذات هوية صناعية واضحة، لديها القدرة والموارد البشرية والهيكل الإداري لصياغة سياسات تصنيعية وطنية، وتوفير البيئة القانونية والتمويلية، والتنسيق مع الجهات الأخرى، داخلياً وخارجياً، لإنشاء وتطوير مناطق صناعية، وجذب المستثمرين، وفتح الأسواق أمام المنتجات السودانية.
واوضح ان تجربة دمج الصناعة مع التجارة شهد فشلا زريعا في حكومة الثورة في 2019 وقبلها في كل الحكومات التي كانت تنظر لوزارة الصناعة كوزارة محاصصة. كما انه في عدد من الدول النامية أظهرت، في أغلب الحالات، أن الصناعة تصبح “الضحية الصامتة” داخل الوزارة الجديدة، بسبب غلبة الملفات التجارية اليومية، التي تفرض نفسها من خلال الأزمات المتكررة (مثل التضخم، أسعار السلع، شح العملات، تنظيم الواردات…).
في هذه الحالة، تصبح ملفات مثل تطوير البنية التحتية الصناعية، دعم التصنيع المحلي، التدريب الفني، وتمويل المصانع، ملفات مؤجلة أو مهمشة، لأنها لا تنتج نتائج فورية، بل تتطلب نفساً طويلاً واستقراراً في الرؤية.
ورأى من الخطأ الاستراتيجي النظر إلى وزارة الصناعة كمجرد هيكل إداري قابل للإلغاء أو الدمج دون تداعيات. فهي اليوم تمثل بوابة التعافي الاقتصادي، وركيزة بناء المستقبل، وصوت الصناعيين الذين يحتاجون لوزارة تُعبّر عنهم وتخاطب قضاياهم باحترافية وتخصص.
إن الإبقاء على وزارة مستقلة للصناعة ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية في مرحلة نهوض اقتصادي تتطلب وضوح الرؤية، وتركيز الجهود، ومرونة السياسات.
وان السودان بعد الحرب، وفي مرحلة إعادة الإعمار، يحتاج إلى “وزارة استثنائية للصناعة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وزارة تقود مسار التحول الهيكلي للاقتصاد، وتضع خططاً متكاملة لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتشجيع الاستثمار في القطاعات الصناعية ذات الأولوية (كالدوائية، الغذائية، مواد البناء، والصناعات التحويلية)، وتطوير المهارات البشرية، وبناء سلاسل قيمة محلية متكاملة.
وإذا كان لا بد من الدمج في هذه المرحلة، فإن من الأجدر – من ناحية منطقية واستراتيجية – أن يكون دمج وزارة الصناعة مع وزارة المعادن، لا التجارة، لكون التعدين صناعة في جوهره، ويواجه تحديات مشابهة تتعلق بالبنية التحتية، البيئة، التمويل، والتقانات. ويمكن أن يتيح هذا الدمج التناغم في التخطيط المشترك، خاصة أن السودان يمتلك ثروات معدنية ضخمة يمكن أن تكون أساساً لصناعات تحويلية معدنية محلية (مثل الإسمنت، الأسمدة، المواد الكيميائية، الصناعات المعدنية الخفيفة).
وأمن الخبير الاقتصادي د.محمد الناير على حديث رئيس الوزراء بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة ليست لديها أي انتماء حزبي .
وأكد في حديثه ل(تسامح نيوز) ان حكومة بهذا التكوين يمكن أن تشكل نجاح كبير خاصة إذا رئيس الوزراء تجرد واختار هذه الكفاءات بمهنية عالية وحسب القدرات والامكانات والمؤهلات دون أي تدخل، وأشار إلى أهمية التركيز في وزارات القطاع الاقتصادي باعتبار أن الاقتصاد يحتاج الى عمل وجهد كبير
ونصح بضرورة فصل وزارة المالية عن التخطيط الاقتصادي باعتبار أن تكون وزارة الخزانة أو المالية تعنى بالمالية العامة وأداء الموازنة العامة للدولة اعدادا وتنفيذا بصورة اساسية موارد الدولة أولويات الإنفاق وتبقى الوزارة الأخرى الخاصة بالتخطيط الاقتصادي تعنى بالتخطيط الاقتصادي في المرحلة القادمة بوضع خطط قصيرة المدى ومتوسطة وبعيدة المدى ومتابعة تنفيذها وبرامجها بصورة كبيرة،
واعتبرها قضية مهمة جدا لان وزارة التخطيط الاقتصادي لن تتابع التخطيط الاقتصادي على مستوى المركز بل على مستوى كل الولايات وبالتالي لابد من فصل الوزارتين وتمكين وزير المالية أو وزير الخزانة في توفير الموارد وترتيب الأولويات والانفاق بصورة أساسية والوزير المسؤول عن التخطيط الاقتصادي يضع الخطط الاقتصادية والبرامج والسياسات ومتابعة التنفيذ على مستوى المركز والولايات، وقال “وهذه قضية مهمة حتى وان تم تخفيض الحقائب الوزارية الأخرى لابد من فصل الوزارتين”.
تحسين الأوضاع المعيشية
من ناحيته اكد الخبير الاقتصادي ان امام الحكومة مهامّ كبيرة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة للغاية، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وصرف مرتبات الموظفين، وتوحيد السياسة النقدية، وإعادة تفعيل موارد الدولة، خصوصا الموارد السيادية من عائدات تصدير ونقل النفط وعائدات الموانئ الجوية والبحرية والبرية
ومن المهام العاجلة أمام الحكومة إعداد ومناقشة البرنامج الحكومي والموازنة العامة للدولة،
وإعادة ترتيب البيت الداخلي وبناء اعادة مؤسسات الدولة وتطبيع الحياة.





