المقالات

كاميرون هدسون يتحدث عن وحدة أثيوبيا الهشة ويفصل 

متابعات | تسامح نيوز

كاميرون هدسون يتحدث عن وحدة أثيوبيا الهشة ويفصل

كاميرون هدسون

إن معركة إثيوبيا من أجل الوحدة لم تعد تُخاض فقط في أروقة البرلمان، أو ثكنات الجيش، أو الصالونات الدبلوماسية في أديس أبابا. بل باتت تُشن، بشكل متزايد، في قاعات الحفلات الموسيقية، ومهرجانات المغتربين، ومراسم القهوة، وفي ذلك الصمت المرتعش الذي يعقب أغنية تذكر الملايين بما فقدوه.

بالنسبة لأمة تضم أكثر من 120 مليون نسمة، وتتحمل ثقل واحدة من أقدم حضارات أفريقيا وواحدة من أكثر تصدعاتها المعاصرة إيلاماً، أصبح سؤال التماسك الوطني وجودياً.

لقد وعد النظام الفيدرالي العرقي في إثيوبيا، الذي أُدخل في التسعينيات، بالاعتراف والاستقلال الذاتي للمجتمعات التي تهمشت تاريخياً. وبدلاً من ذلك، أدى في كثير من الأحيان إلى ترسيخ العرقية كأثمن عملة سياسية في البلاد؛ فتحولت المظالم المحلية حول الأرض واللغة والسلطة إلى خطوط صدع وطنية، محولةً الاختلاف إلى منافسة سياسية دائمة.

كاميرون هدسون يتحدث عن وحدة أثيوبيا الهشة ويفصل 

انبثق دستور عام 1995 من محاولة حقيقية للإجابة على التهميش التاريخي. فمن خلال الاعتراف بالأمم والقوميات والشعوب، وعد بكرامة المجتمعات التي دُفعت طويلاً إلى الهامش، وقدم واحدة من أجرأ تجارب أفريقيا في الفيدرالية العرقية. ومع ذلك، فإن البنية الدستورية ذاتها التي قدمت الاعتراف، قامت أيضاً بمأسسة الهوية كلغة أساسية للسياسة. وما بدأ كعلاج للظلم، أصبح في كثير من الأحيان تفاوضاً دائماً على الاختلاف، حيث باتت المواطنة نفسها مهددة بأن تُصفى أولاً عبر مصفاة العرق. لقد وصل الابتكار والعبء معاً، ولا تزال إثيوبيا تعيش داخل هذا التوتر الذي لم يُحل.

ما صُمم كاحتواء تحول تدريجياً إلى آلة للارتباك والريبة. والعواقب ظاهرة في كل اتجاه؛ فالحرب المدمرة في تيغراي خلفت مئات الآلاف من القتلى، وفقاً لتقديرات دولية من الأمم المتحدة ووكالات إنسانية. ولا تزال أوروميا متوترة، وأمهرة غير مستقرة. كما تستمر بطالة الشباب في الارتفاع، والتهم التضخم الكرامة بقدر ما التهم الأجور. ويقدر البنك الدولي أن أكثر من ربع الإثيوبيين لا يزالون يعيشون تحت خط الفقر الوطني، بينما جعل النزوح الناجم عن الصراعات من إثيوبيا واحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي في أفريقيا.

ولكن ربما يكون الجرح الأعمق هو الجرح النفسي: الشعور المتزايد بين المواطنين بأن الانتماء نفسه قد أصبح مشروطاً.

إن بلداً كان يتماسك ذات يوم بالهندسة العاطفية للتاريخ المشترك، يواجه الآن خطر التحول إلى اتحاد من الغرباء. وقد حذر الباحثون من أن التحول من الهوية الإثيوبية المدنية إلى القومية العرقية الضيقة يخلق منطقاً خطيراً، حيث لا تعود المجتمعات ترى جيراناً، بل منافسين على البقاء. في مثل هذا الجو، تصبح الوطنية مثيرة للشبهات حتى عند ارتداء الملابس التقليدية.

لا تزال ذكرى “عدوة” تتنفس كنبض قلب وطني. في عام 1896، سار الإثيوبيون من الأورومو والأمهرة والتيغراي والغوراجي والعفر ومجتمعات أخرى لا حصر لها، ليس كهويات منفصلة، بل كشعب واحد يدافع عن مستقبل مشترك. لم ينتصر الإمبراطور منليك الثاني والإمبراطورة تايتو في عدوة بمفردهما؛ بل حمل النصر الفلاحون والكهنة والنساء والشيوخ والمحاربون الذين هزمت وحدتهم الطموح الاستعماري. تظل عدوة أكثر من مجرد انتصار عسكري؛ إنها أوضح دليل تاريخي لإثيوبيا على أن التنوع، عندما يرتبط بهدف مشترك، يصبح قوة لا انكساراً.

الدبلوماسية في إثيوبيا لا تقتصر على الوزراء والسفراء؛ بل تعيش أيضاً في أيدي موسيقيين مثل تيدي أفرو وآستر أوكي، وفي أصوات القساوسة الأرثوذكس والأئمة الذين يدعون إلى ضبط النفس، وفي سلطة الشيوخ الذين يتوسطون في النزاعات المحلية، وفي قادة الشتات الذين ينقلون المحادثات الوطنية إلى الخارج. هؤلاء هم “مفاوضو الظل” في البلاد — دبلوماسيو المسار الثاني — الذين يعملون خارج القنوات الرسمية للدولة للحفاظ على الثقة حيث فشلت المؤسسات. إنهم يترجمون الألم إلى حوار، وأحياناً تسافر شرعيتهم إلى أبعد مما يمكن للسياسة الرسمية أن تصل إليه.

هنا برز أكثر دبلوماسيي إثيوبيا غير المتوقعين: موسيقيوها. لا يشغل تيدي أفرو منصباً وزارياً، لكن قلة من الشخصيات العامة تحظى بمثل هذا الاهتمام الأخلاقي. ألبومه لعام 2026 بعنوان “إيتوريكا” (Etorika)، وخاصة أغنية “داس تال” (Das Tal) التي نوقشت على نطاق واسع، لم ينزل كعمل ترفيهي بل كتدخل وطني. وفي غضون أيام، كان الملايين يستمعون إليه عبر إثيوبيا وفي جميع أنحاء الشتات، من ملبورن إلى مينيابوليس، ومن لندن إلى جوهانسبرغ. حتى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وصفت الإصدار بأنه حدث سياسي، مشيرة إلى كيف فسر المستمعون الأغنية كمرثية وتحذير في آن واحد.

تكمن قوتها العاطفية في صدقها؛ فهي تتحدث عن الإرهاق — عن مواطنين سئموا الصراع، وسئموا ألعاب النخبة، وسئموا من إخبارهم بأن الانقسام هو القدر المحتوم. بالنسبة للكثيرين، لم تكن الأغنية مجرد موسيقى، بل كانت مرآة وطنية.

وهذا الأمر يكتسي أهمية في لغة السياسة الخارجية. إن مفهوم جوزيف ناي الشهير عن “القوة الناعمة” — التأثير من خلال الجذب لا الإكراه — غالباً ما يستحضر هوليوود، أو الكيبوب، أو المراسم الأولمبية. لكن القوة الناعمة لإثيوبيا قد توجد في صوت يخرج من مكبر صوت قديم في سيارة أجرة في أديس أبابا. الموسيقى هنا ليست زينة، بل هي بنية تحتية سياسية. موسيقى تيدي أفرو “ليست مجرد موسيقى — إنها ذاكرة، إنها هوية، إنها صوت”. والشتات يفهم هذا بالفطرة.

إن الشتات الإثيوبي ليس مجرد سكان وراء البحار؛ بل هو “جمهورية عاطفية” تمتد عبر القارات. من التحويلات المالية التي تعيل الأسر إلى جهود الضغط في واشنطن وبروكسل ولندن، يضخم مجتمع الشتات صوت إثيوبيا بعيداً عن حدودها. في لحظات الأزمة، يصبحون مدافعين، ومترجمين، وحماة، ومنتقدين في آن واحد. وتعمل مهرجاناتهم، وشبكاتهم المهنية، ودوائرهم الأكاديمية، وحملاتهم الرقمية كـ “مضاعف قوة” دبلوماسي — يمد نفوذ إثيوبيا بطرق لا تستطيع السفارات وحدها تحقيقها.

يعيش ما يقرب من ثلاثة ملايين إثيوبي في الخارج، يحملون معهم ليس فقط التحويلات، بل الشرعية أيضاً. وقد سلطت اليونسكو الضوء على كيف تخدم مهرجانات الشتات والمراكز الثقافية وبرامج التراث كجسور دبلوماسية حية بين إثيوبيا والمجتمعات المضيفة. في واشنطن العاصمة، أصبحت حفلات آستر أوكي لقاءات مجتمعية شاملة. وفي الولايات المتحدة، تمزج ميكليت هاديرو بين “إيثيو-جاز” ولغات الأورومو والأمهرية والكمباتا والإنجليزية، رافضة الخيار الزائف بين الجذور والحداثة. ويصر عملها على أن التعددية ليست تفتيتاً، بل هي الوطنية في أصدق صورها.

هذه ليست سياسة عاطفية؛ بل هي ضرورة استراتيجية. في جميع أنحاء أفريقيا، تتعلم الحكومات أن الدبلوماسية الثقافية تنجح غالباً حيث تفشل الدبلوماسية الرسمية. “عام العودة” في غانا أعاد ربط الدولة بالشتات الأفريقي بعوائد اقتصادية ورمزية هائلة. وأصبحت “نوليوود” في نيجيريا أداة للتأثير القاري دون الحاجة إلى مذكرة من وزارة الخارجية. وإثيوبيا، بتراثها العريق، وتقاليدها الأرثوذكسية، ودبلوماسية القهوة، وهويتها الموسيقية المعترف بها عالمياً، تمتلك إمكانات مساوية — وربما أكبر.

ومع ذلك، فإن الإمكانات ليست سياسة. ففي كثير من الأحيان، تسعى الحكومات إلى نيل هيبة الثقافة بينما تخشى الحرية التي تتطلبها تلك الثقافة. يُحتفى بالفنانين عندما يوحدون، لكنهم يخضعون للتدقيق عندما ينتقدون. هذا التناقض خطير؛ فقمع الموسيقيين والصحفيين والمثقفين لا يخلق استقراراً، بل يدفع الحزن الوطني إلى تحت الأرض، حيث يعود لاحقاً بشكل أقسى وأعلى صوتاً.

كل أمة تحمل ندوباً، لكن السلام يعتمد على ما إذا كانت تلك الندوب ستصبح جسوراً أم حدوداً. إن حروب إثيوبيا — سواء تم تذكرها من خلال تيغراي، أو “الرعب الأحمر”، أو الغزو الإمبراطوري، أو النزوح المحلي — لا تعيش فقط في الأرشيفات، بل في صمت العائلات، والأغاني، والارتياب المتوارث. “دبلوماسية الذاكرة” هي العمل الشاق المتمثل في السماح للحزن بأن يُقال دون تركه يصبح إرثاً سياسياً دائماً. الأمم لا تشفى بنسيان الصدمة، بل تشفى بخلق لغة مشتركة حولها، بحيث تصبح الذكرى تصالحاً لا انتقاماً.

إن الدرس المستفاد من تاريخ إثيوبيا الحديث بسيط وقاسٍ: الرقابة لا يمكنها تصنيع الثقة، ولا يمكن للبنية التحتية وحدها فعل ذلك. سد النهضة الإثيوبي الكبير هو مشروع وطني ضخم، لكن الإسمنت لا يمكنه استبدال العقد الاجتماعي. الطرق تربط الأراضي، لكنها لا تربط الذاكرة تلقائياً. الوحدة الحقيقية تتطلب شيئاً أكثر صعوبة: الشجاعة السياسية للسماح للمواطنين بتخيل أنفسهم ما وراء العرق دون مطالبتهم بمحوه.

وهذا يعني تقوية المؤسسات الشاملة مثل “لجنة الحوار الوطني”، ليس كمسرح احتفالي بل كتفاوض حقيقي. ويعني إصلاح التعليم الذي يدرس تاريخ الأورومو والأمهرة والصوماليين والسيلاما والتيغراي كفصول من قصة وطنية واحدة بدلاً من أساطير وطنية متنافسة. ويعني مراكز ثقافية في الخارج تقدم إثيوبيا ليس كهوية أحادية، بل كفسيفساء واثقة.

إن التماسك الداخلي لإثيوبيا يهم أبعد بكثير من حدودها لأنها تقع في قلب واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية تنافساً في العالم. لقد أصبح البحر الأحمر والقرن الأفريقي ساحات للتنافس بين القوى الخليجية، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وتركيا، والجيران الإقليميين، الذين يجذبهم جميعاً طرق التجارة، والوصول العسكري، والمصالح الأمنية. ورغم كونها دولة حبيسة، تظل إثيوبيا المرساة الديموغرافية والسياسية لهذا المسرح. إن عدم الاستقرار في أديس أبابا يتردد صداه في بورتسودان ومقديشو وجيبوتي وما وراءها، مما يجعل الوحدة الوطنية ليست مجرد ضرورة محلية بل حتمية إقليمية.

وهذا يعني أيضاً أنه يجب على المجتمع الدولي التوقف عن النظر إلى إثيوبيا فقط من خلال لغة الأزمة. لقد أصبح القرن الأفريقي مسرحاً لمنافسة جيوسياسية مكثفة — ضغوط أمريكية وصينية وروسية وخليجية وإقليمية كلها تضغط في المساحات المحلية الهشة. غالباً ما تُعامل إثيوبيا كلوحة شطرنج استراتيجية بدلاً من كونها مجتمعاً يحاول مداواة نفسه. والضغط الخارجي دون فهم اجتماعي يهدد بتعميق “عقلية الحصار” التي تسمم بالفعل الثقة الداخلية.

يجب على صانعي السياسات العالميين أن يدركوا أن الاستقرار الإثيوبي لن يأتي من العقيدة الأمنية وحدها، بل سيأتي من الشرعية — والشرعية ثقافية قبل أن تكون دستورية. لقد رأى العالم ما يحدث عندما تفقد الأمم القصة العاطفية التي تربطها. البوسنة، لبنان، السودان — التفتت نادراً ما يبدأ بالبنادق؛ بل يبدأ عندما يتوقف الناس عن الإيمان بأنهم ينتمون لبعضهم البعض.

لا يزال لدى إثيوبيا الوقت لمقاومة ذلك المصير. موسيقتها تقول ذلك، وشتاتها يقول ذلك، وتاريخها يقول ذلك.

إن الأمة التي هزمت الغزو الاستعماري وحملت الاستمرارية الحضارية عبر القرون يجب ألا تستسلم لسجن “القدرية العرقية” الأصغر. الوحدة لا تعني بالضرورة التماثل؛ بل يمكن أن تعني شيئاً أكثر قوة: القرار بالبقاء معاً رغم الألم.

لن يتم ضمان مستقبل إثيوبيا بالقوة وحدها، لأن أزمتها الأعمق ليست سياسية فقط — بل هي عاطفية وتاريخية وإنسانية بعمق. إن الطريق من “عدوة” إلى أديس أبابا، ومن مراسم القهوة إلى قاعات الحفلات، ومن الوعود الدستورية إلى أصوات الشتات، يكشف الحقيقة ذاتها: الوحدة تبقى حية حيث لا يزال الناس يؤمنون بأنهم ينتمون لبعضهم البعض. التاريخ يعطي تلك الذاكرة، والثقافة تبقيها حية، والدبلوماسية — الرسمية وغير الرسمية — تحولها إلى إمكانية. لا تحتاج إثيوبيا إلى اختراع الوحدة؛ بل تحتاج إلى تذكرها، وحمايتها، واختيارها من جديد.

في النهاية، ربما لا تُفاوض الدبلوماسية دائماً عبر طاولات مصقولة. أحياناً تصل في لحن، وأحياناً تعود في ذاكرة. وأحياناً، تتذكر البلاد نفسها لأن مغنياً يجرؤ على تذكيرها. وأحياناً، يكون هذا هو المكان الذي يبدأ منه السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى