
متابعات | تسامح نيوز
كشفت تقارير حكومية أن كمية الذهب المنتج في السودان خلال العام الماضي تقدر ب 199 طناً، تبلغ قيمتها الإجمالية بأسعار اليوم نحو 26 مليار دولار، وهي تعادل ثلاثة أضعاف إنتاج الذهب الذي تم حصره في تقارير الشركة السودانية للموارد المعدنية العام الماضي المقدرة ب 70 طناً، ثم تصدير 15 طناً منها عبر القنوات الرسمية بعائد بلغ نحو 1,5 مليار دولار، فيما لم يعرف مصير 55 طناً، وكان رئيس الوزراء د. كامل إدريس أعلن في وقت سابق أن البلاد فقدت عائدات بنحو 8 مليار دولار.
وقال وزير المالية د. جبريل إبراهيم في كلمته أمام ملتقى الأمل الاستراتيجي لوزارة المعادن السبت الماضي إن الإحصائيات التي تم الوصول إليها بشأن الذهب “أرقام كبيرة ومقلقة، لأننا استطعنا حصر جزء من الذهب المنتج، ومعرفة المنتجين والكميات التي تم استخراجها، إلا أن هذه الكميات لم تدخل القنوات الرسمية للتصدير، وإنما خرجت عبر مسارات غير رسمية”.
وأضاف د. جبريل في تسجيل مصور لكلمته بث في صفحته بفيسبوك “أما الجزء الأكبر الذي لم نتمكن من حصره بعد، فهو يمثل تحدياً آخر، لكن حتى الكميات التي تم حصرها، والتي تبلغ نحو 199 طناً من الذهب، تمثل قيمة مالية ضخمة إذا ما تم احتسابها وفق الأسعار الحالية، وهي موارد كبيرة كان يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني”.
وأثنى وزير المالية على وزارة المعادن قائلاً إنها “تسير بخطى ثابتة وفق رؤية واضحة نحو مستقبل زاهر لهذا القطاع، بما يعزز دوره في الاقتصاد الوطني، ويجعله أحد الركائز المهمة في مسيرة التنمية وإعادة البناء”..
وقال لا بد أن نؤكد أن السودان يمر بمرحلة صعبة، وأن الاقتصاد الوطني يواجه تحديات حقيقية، بعضها داخلي وبعضها خارجي. فالعالم اليوم يعيش حالة من الاضطراب الاقتصادي الكبير بسبب الحروب والصراعات الدولية، ومنها الحرب في أوكرانيا، والتوترات في منطقة الخليج، والاضطرابات التي تشهدها الممرات المائية الحيوية، إلى جانب الاتجاهات الحمائية التي أدت إلى فرض رسوم جمركية عالية على صادرات الدول.
وقال إن هذه التطورات العالمية تؤثر علينا جميعاً، حيث انعكست على ارتفاع أسعار المنتجات البترولية ومشتقاتها، وارتفاع أسعار السلع المرتبطة بها مثل الأسمدة ومدخلات الإنتاج، كما أن اضطرابات الممرات المائية أدت إلى زيادة تكاليف النقل وارتفاع الأسعار، وهو ما يتحول في نهاية المطاف إلى تضخم مستورد يؤثر على الاقتصاد الوطني، وليس السودان وحده.
مضيفاً أن هذه التحديات “تتطلب منا بذل المزيد من الجهد داخلياً لمواجهتها، ومن أهم وسائل المعالجة تعزيز قدرتنا على إدارة مواردنا بصورة أفضل، والاستفادة منها بما يخدم الاقتصاد الوطني”.
وقال “لدينا تحدٍ آخر يتمثل في الحفاظ على العملة الوطنية واستقرار سعر الصرف، وقد تحدث الأخ النائب الأول لمحافظ بنك السودان المركزي عن التحديات التي تواجه القطاع المصرفي، إلا أن قضية العملة الوطنية تظل من الملفات المهمة التي تحتاج إلى معالجة عبر أدوات وسياسات مختلفة”.
وقال “نحن نعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المعالجة يرتبط بإحكام السيطرة على الذهب، باعتباره مورداً مهماً يمكن أن يمثل دعماً حقيقياً للاقتصاد الوطني إذا أحسنا إدارة إنتاجه وتوجيهه عبر القنوات الرسمية، ولكن يجب أن نضع في الاعتبار أن الموارد المعدنية بطبيعتها موارد ناضبة، ولذلك فإن المرجعية الحقيقية والمستدامة للاقتصاد السوداني تظل هي الزراعة فكل هذه الموارد، سواء كانت من النفط أو المعادن أو غيرها، يجب أن توجه بصورة أساسية لدعم القطاع الزراعي، لأنه القطاع القادر على تحقيق الاستدامة الاقتصادية وتوفير الموارد للأجيال القادمة”.
وشدد وزير المالية على أنه “في الوقت الراهن، نحن أمام تحدٍ قصير المدى يتطلب توظيف موارد الذهب لدعم الاقتصاد الكلي ومواجهة الضغوط الاقتصادية الحالية”.
وقال إن المشكلة الأساسية كانت في ضعف ترتيبات الإحاطة بالذهب، ولكن الحمد لله اتخذت الدولة خلال الفترة الماضية عدداً من الإجراءات، وما زلنا نعمل على تطوير الخطط والسياسات حتى نصل إلى الإحاطة الكاملة بهذا المورد المهم، وإحكام السيطرة على الذهب سيساعدنا في مواجهة التحديات الاقتصادية، كما أن الأمر لا يقتصر على الذهب فقط، فالسودان يمتلك معادن أخرى كثيرة، وهناك أحجار كريمة ومعادن نفيسة تتعرض أيضاً للتهريب ولم تجد الاهتمام الكافي.
وأضاف “لقد حبانا الله بكميات كبيرة من الذهب، وكان معظم هذا الذهب قريباً من سطح الأرض، ولذلك سبق المواطن الدولة في عمليات الاستخراج، وانتشر التعدين الأهلي بصورة واسعة، بينما ظل التعدين المنظم في نطاق محدود، ونحن في وزارة المالية ندعم توجه وزارة المعادن الرامي إلى التوسع في التعدين المنظم، والعمل على تقليص مساحات التعدين التقليدي بصورة تدريجية، وصولاً إلى مرحلة يكون فيها التعدين في السودان منظماً وفق أسس علمية وفنية”. وهذا التوجه ليس فقط بهدف زيادة موارد الدولة، وإنما أيضاً من أجل المحافظة على البيئة، وحماية الثروات المعدنية الأخرى التي تضيع بسبب ممارسات التعدين الأهلي غير المنظمة.
كما أن التعدين المنظم يساعدنا في معالجة قضايا البيئة، وهذه من التحديات الكبيرة التي قد لا ينتبه لها البعض بالصورة المطلوبة، خاصة فيما يتعلق باستخدام الزئبق والسيانيد والمواد السامة في عمليات الاستخلاص، وما يمكن أن تسببه من أضرار على الإنسان والحيوان ومصادر المياه والبيئة بصورة عامة.
ولدينا مسؤولية كبيرة في حماية مواردنا الطبيعية والمجتمع، ولذلك يجب أن تتضافر جهود وزارة المعادن والولايات والجهات المختصة لمواجهة هذه المخاطر والحد من الاستخدام غير الآمن للمواد الكيميائية.
كما أن الولايات التي توجد بها موارد معدنية لديها إمكانات كبيرة، ويمكن أن تصبح ولايات داعمة للاقتصاد الوطني إذا أحسنت إدارة مواردها وحشدت إيراداتها المحلية بصورة صحيحة.
ولكن حشد الموارد لا يعني بأي حال من الأحوال فرض جبايات غير قانونية على المواطنين أو على حركة السلع بين الولايات.
ونؤكد هنا أن قانون الحكم الاتحادي واضح في هذه المسألة، فلا يجوز فرض رسوم إضافية على السلع العابرة بين الولايات أو القادمة من الموانئ والمعابر، لأن هذه الرسوم في النهاية يتحملها المواطن، وترفع تكلفة السلع، خاصة في المناطق البعيدة عن الموانئ ومراكز الإنتاج.
فليس من المنطقي أن تصل سلعة من ميناء بورتسودان إلى ولاية بعيدة، ثم تزداد تكلفتها بسبب رسوم تفرض عليها في كل ولاية أو محلية تمر بها، لأن النتيجة النهائية هي ارتفاع الأسعار على المواطن.
ومن هذا المنطلق جاء القرار الخاص بتوزيع جزء من الموارد على المحليات المنتجة، ليس بهدف سحب الموارد من المركز أو الولايات، وإنما حتى تشعر المجتمعات المنتجة للذهب والمعادن بأن جزءاً من مواردها يعود إليها في شكل خدمات وتنمية.
وقد أحدث هذا القرار أثراً إيجابياً كبيراً، وأسهم في إزالة كثير من المعوقات التي كانت تواجه الإنتاج، ونحن على استعداد للجلوس مع الإخوة الولاة لمعالجة أي ملاحظات أو جوانب تحتاج إلى تطوير.
وفيما يتعلق بالمسؤولية المجتمعية، فإنها حققت نجاحات مقدرة وأسهمت في تقديم خدمات مهمة، لكنها تحتاج إلى مزيد من حسن الإدارة والتوجيه حتى تحقق الهدف المطلوب منها.
فنحن لا نريد أن تذهب أموال المسؤولية المجتمعية في أعمال محدودة الأثر أو تبرعات عشوائية لا تحقق فائدة مستدامة، وإنما نريدها أن توجه لمعالجة مشكلات حقيقية على الأرض.
والمطلوب أن يتم توجيه هذه الأموال إلى مشروعات تخدم المواطنين بصورة مباشرة، مثل المدارس والمستشفيات والطرق والآبار ومشروعات المياه، حتى يشعر المواطن بأن الموارد التي تخرج من أرضه تعود عليه بالتنمية والخدمات.
ولا نريد أن تكون هذه الأموال وسيلة لإرضاء أفراد أو جماعات أو جهات محددة، بل يجب أن تكون لخدمة الناس وتحقيق أثر تنموي حقيقي ومستدام.
كما يجب أن يكون هناك حرص كبير على حماية المواطنين والبيئة من الممارسات الضارة، خاصة في مناطق التعدين، لأن الثروة التي نبحث عن استخراجها لا ينبغي أن تكون على حساب صحة الإنسان أو سلامة الأجيال القادمة.
ومن القضايا التي يجب أن نفكر فيها بجدية إنشاء صندوق لحفظ حقوق الأجيال القادمة، لأن المعادن والبترول موارد ناضبة، ولا يجوز أن نستهلكها بالكامل اليوم ونترك الأجيال المقبلة دون نصيب من هذه الثروة.
صحيح أن ظروفنا الاقتصادية الحالية صعبة وتفرض علينا ضغوطاً كبيرة، لكن ذلك لا يمنعنا من التفكير للمستقبل، لأن الموارد التي نستخرجها الآن هي حق للأجيال التي ستأتي بعد خمسين أو مئة أو مئتي عام.
ولذلك يجب أن نعمل على تخصيص جزء من عائدات المعادن كافة، إلى جانب عائدات البترول، لصالح هذا الصندوق، على أن يتم استثمار هذه الأموال وتنميتها حتى تصبح مورداً مستداماً للأجيال القادمة.
وفي ملف الذهب تحديداً، فإن الهدف من القيود المفروضة على الذهب السوداني هو تقليل قيمته في الأسواق العالمية، حتى تضطر الدول إلى شراء الذهب بأسعار أقل من قيمته الحقيقية، وهذه خسارة كبيرة للسودان.
لكن إذا استطعنا إدخال الذهب كله عبر القنوات الرسمية، فإن الدولة ستكون في موقف أقوى للتفاوض والحصول على أفضل الأسعار للذهب السوداني.
ونحن لا نتجه إلى بيع كل الذهب السوداني، وإنما نعمل على بناء احتياطي من الذهب لدى بنك السودان المركزي بالكميات المطلوبة، بحيث يستخدم الذهب كضمان للحصول على التمويل اللازم دون أن يخرج الذهب من البلاد أو يتم بيعه.
فالهدف هو أن نملك الذهب ونحتفظ به، وفي الوقت ذاته نستخدمه كأداة للحصول على التمويل ودعم المشروعات الاقتصادية والتنموية، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز قدرته على التعافي والنمو.
المصدر / صحيفة ايلاف الاقتصادية





