محمد أحمد البشرى : نحو بناء العقد الاجتماعي السوداني ..آفاق السمو الوطني(2)
متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز
مرّ السودان عبر عقود طويلة بتجارب سياسية متعددة، قادتها أحزاب وتيارات ومدارس فكرية مختلفة، تقليدية كانت أو حديثة. وقد قدمت تلك التجارب اجتهادات ورؤى وأسهمت في تشكيل الحياة العامة، إلا أن استمرار الاستقطاب السياسي أوجد في كثير من الأحيان حالة من الانقسام والتباعد، حتى أصبح الإنسان السوداني يُنظر إليه أحيانًا من خلال انتمائه السابق، أكثر مما يُنظر إليه من خلال أفكاره ومواقفه ومشروعه الوطني.
لقد ظل كثير ممن حملوا رايات الإصلاح، أو قادوا مسارات المعارضة، أو سعوا إلى التجديد السياسي، أسرى لصورة انتماءاتهم السابقة في نظر الآخرين، الأمر الذي أبقى أبواب الشك والارتياب مفتوحة، وربط الحاضر بالماضي، وأضعف فرص الالتقاء حول المشتركات الوطنية الكبرى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم السمو الوطني؛ لا باعتباره شعارًا سياسيًا عابرًا، وإنما باعتباره قيمة وطنية تقتضي أن يرتفع الإنسان فوق ضيق الانتماءات، وأن تتسع رؤيته من حدود الحزب أو القبيلة أو الجهة إلى رحابة الوطن كله.
فالسمو الوطني يعني أن يكون السودان هو المظلة الجامعة، وأن تكون مصلحته فوق المصالح الضيقة، وأن نلتقي على القواسم المشتركة التي تحفظ الدولة، وتصون وحدتها، وتدعم استقرارها، وتحمي حقوق مواطنيها.
وهو في جوهره امتداد لفكرة القومية السودانية النبيلة؛ تلك التي لا تقصي أحدًا، ولا تحتكر الوطنية لفئة دون أخرى، ولا تجعل الاختلاف السياسي سببًا للعداء، بل تجعل من الهوية السودانية الجامعة أساسًا للالتقاء والعمل المشترك.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويبحث عن مساحات الاتفاق بدلًا من توسيع دوائر الخلاف. وهو أحوج إلى مشروع وطني جامع يلتف حوله أبناء الوطن جميعًا، عنوانه السيادة الوطنية، وأساسه المواطنة المتساوية، وروحه الوحدة الوطنية، وهدفه السلام والتنمية والبناء.
ولا يعني السمو الوطني إلغاء الاختلاف أو مطالبة السودانيين بأن يكونوا على رأي واحد؛ فالاختلاف سنة من سنن الحياة السياسية والفكرية، لكن المطلوب أن يكون اختلافنا تحت سقف الوطن، وأن نختلف دون أن نهدم الدولة، ونتنافس دون أن نمزق المجتمع، ونسعى إلى الإصلاح دون أن يتحول الخلاف إلى صراع يستنزف الوطن وأبناءه.
إن آفاق السمو الوطني تمتد نحو مستقبل يتجاوز مرارات الماضي وصراعاته، ويؤسس لمرحلة جديدة يتقدم فيها الانتماء للسودان على ما سواه، وتتوجه فيها الطاقات إلى بناء الدولة، والحفاظ على مكتسباتها، وصيانة وحدتها، وتعزيز تماسك نسيجها الاجتماعي.
وإذا كان العقد الاجتماعي السوداني الذي ننشده يقوم على الاعتراف بالآخر، والمواطنة المتساوية، والحقوق والواجبات، فإن السمو الوطني يمثل إحدى أهم القيم التي يمكن أن تهيئ النفوس لقبول هذا العقد؛ لأننا لن نستطيع بناء وطن واحد بعقول أسيرة للانقسامات القديمة.
إنها دعوة إلى جمع الصف، وإعلاء قيمة الوطن، والاعتصام بحبل الله المتين، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، حتى يستعيد السودان عافيته ومكانته، وينطلق أبناؤه نحو مستقبل يليق بتاريخه، وإمكاناته، وتضحيات شعبه.
الأستاذ/ محمد أحمد البشرى





