المقالات

محمد البشرى: نحو بناء العقد الاجتماعي السوداني.. الوعي والتسامح (11)

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

إن بناء العقد الاجتماعي السوداني لا يبدأ من النصوص والمواثيق وحدها، ولا من تغيير الحكومات أو تشكيل المؤسسات، وإنما يبدأ من الإنسان السوداني نفسه؛ من وعيه بذاته، وبوطنه، وبحقوقه وواجباته، وبحق الآخرين في أن يكونوا مختلفين عنه.

فالسودان بلد متعدد في ثقافاته ومناطقه ولهجاته وتقاليده، وهذا التنوع ليس مشكلة يجب التخلص منها، وإنما ثروة وطنية يمكن أن تكون مصدر قوة إذا أحسنّا إدارتها.

أولاً: الوعي أساس بناء الوطن

الوعي الذي نحتاج إليه هو أن يدرك السوداني أن الوطن أكبر من القبيلة، وأوسع من المنطقة، وأعلى من الحزب، وأبقى من الأشخاص.

 

أن ننتقل من سؤال: ماذا سأحصل عليه أنا أو جماعتي؟

إلى سؤال أكبر: ماذا نريد أن نبني لوطننا جميعاً؟

الوعي الوطني يجعل المواطن يعرف حقوقه، ويحترم واجباته، ويدرك أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن ممارسة السياسة ليست مبرراً لإلغاء الآخر.

ثانياً: التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق

التسامح ليس ضعفاً، وليس قبولاً بالظلم، وليس نسياناً للحقوق.

التسامح يعني أن نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى كراهية، وأن نرفض الفكرة دون أن نهين صاحبها، وأن نطالب بحقوقنا دون أن ننكر حقوق الآخرين.

نحن بحاجة إلى ثقافة تقول:

أختلف معك، لكنني أحترم حقك في الاختلاف.

وهذه قاعدة أساسية في بناء المجتمع المتماسك.

ثالثاً: لا عقد اجتماعي بلا قبول بالآخر

لا يمكن أن نبني عقداً اجتماعياً سودانياً حقيقياً إذا ظل كل طرف يرى نفسه وحده صاحب الحق في تمثيل السودان.

السودان وطن الجميع؛ ولذلك فإن أي مشروع وطني يجب أن يفتح أبوابه للجميع، دون إقصاء بسبب المنطقة أو القبيلة أو الثقافة أو الموقف السياسي.

الاختلاف بين السودانيين أمر طبيعي، أما تحويل الاختلاف إلى صراع دائم فهو ما يجب أن نتجاوزه.

رابعاً: الوعي يبدأ من الأسرة والمجتمع

بناء الوعي ليس مسؤولية الدولة وحدها.

يبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، والجامعة، والمسجد، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والقيادات المجتمعية والسياسية.

علينا أن نربي أبناءنا على احترام الإنسان، وعلى الحوار، وعلى تحمل المسؤولية، وعلى قبول الاختلاف.

فالمجتمع الذي يتعلم فيه الطفل احترام الآخر سيكون أكثر قدرة على بناء دولة تحترم مواطنيها.

خامساً: التسامح طريق للسلام المستدام

السلام الحقيقي ليس مجرد توقف الحرب.

السلام الحقيقي هو أن تتغير طريقة تفكيرنا تجاه بعضنا البعض؛ من الشك إلى الثقة، ومن الانتقام إلى العدالة، ومن الإقصاء إلى المشاركة.

ولذلك فإن المصالحة الوطنية تحتاج إلى وعي وتسامح، وإلى عدالة تحفظ الحقوق، وتمنع تكرار الظلم، وتفتح الطريق أمام السودانيين للعيش معاً في وطن واحد.

سادساً: من ثقافة الإقصاء إلى ثقافة المشاركة

أحد أكبر التحديات التي واجهت السودان هو أن كل طرف حاول في أوقات مختلفة أن يفرض رؤيته باعتبارها الرؤية الوحيدة الصحيحة.

لكن السودان لا يمكن أن يُبنى بعقلية المنتصر والمهزوم.

نحتاج إلى عقلية جديدة تقول:

نحن شركاء في الوطن، ولسنا أعداء داخله.

الشراكة الوطنية تعني أن تكون الدولة ملكاً لجميع المواطنين، وأن تكون المؤسسات فوق الأشخاص والجماعات، وأن تكون الحقوق والواجبات واحدة أمام القانون.

سابعاً: الوعي والتسامح مسؤولية وطنية

إن نشر الوعي والتسامح ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لبقاء الدولة والمجتمع.

فكل كلمة تحرض على الكراهية تزيد المسافة بين أبناء الوطن، وكل كلمة تدعو إلى الحوار والاحترام تفتح نافذة جديدة نحو المستقبل.

ومن هنا فإن الإعلام السوداني، والمثقفين، والمفكرين، والشباب، والقيادات المجتمعية والسياسية، أمامهم مسؤولية كبيرة في صناعة خطاب وطني جديد؛ خطاب يجمع ولا يفرق، ويعالج الجراح ولا يفتحها، ويبني الثقة بدلاً من أن يزرع الخوف.

الخلاصة

العقد الاجتماعي السوداني الذي نطمح إليه لا يمكن أن ينجح بالقوانين وحدها.

نحتاج إلى وعي يحترم التنوع، وتسامح يحفظ الكرامة، وعدالة تحفظ الحقوق، وحوار يقود إلى التوافق.

نريد سوداناً لا يكون فيه الاختلاف سبباً للانقسام، ولا التنوع سبباً للصراع، ولا السياسة سبباً للكراهية.

نريد سوداناً يعرف فيه كل مواطن أن له مكاناً في وطنه، وأن حقوقه مصونة، وأن واجباته واضحة، وأن اختلافه مع الآخرين لا يسلبهم حقهم في الوطن.

فالوعي يفتح الطريق، والتسامح يبني الجسور، والعدالة تحمي الحقوق، والعقد الاجتماعي يجمع الجميع تحت مظلة وطن واحد.

وطن واحد، وحقوق متساوية، ومستقبل يجمعنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى